الأدب والتاريخ الإسلامي.. أساليب جديدة لمقاومة الاستعمار الثقافي!

الأربعاء - 17 يناير 2024

- أ. د. سليمان صالح
( أستاذ الإعلام بجامعة القاهرة )

  • عندما فشلت دول الاستعمار في إخضاع المسلمين بقوة السلاح استخدمت وسائل ثقافية لهزيمتهم نفسيا
  • فكرة خضوع الضعيف واستسلامه كانت سائدة في أدب الدول الاستعمارية خلال القرن العشرين
  • التيار الإسلامي لم يتمكن من تشجيع أدباء يقومون برواية بطولات رجاله وتضحياتهم
  • الأمة تحتاج بعد "طوفان الأقصي" إلي تيار أدبي جديد يصور قصص بطولاته وأبطاله

 

د . سليمان صالح

استخدمت دول الاستعمار قوتها الغاشمة؛ لارتكاب الكثير من المذابح والإبادة الجماعية وتدمير العمران، لكنها لم تتمكن باستخدام أسلحة الدمار الشامل من اخضاع الشعوب الاسلامية؛ لذلك استخدمت وسائل ثقافية لهزيمة المسلمين نفسيا .

وكانت النتائج التي حققها الاستعمار الثقافي أكثر خطورة وتأثيرا من قنابل الاستعمار ومدافعه، فإن كان قد احتل الأرض بتلك الأسلحة، فقد احتل العقول بمنظومة فكرية وايديولوجية استخدم في نشرها وسائل النشر والإعلام والتسلية، ومن أهمها السينما والدراما .

لو درسنا تاريخنا الحديث يمكن أن نكتشف أن الرواية كانت من أهم الوسائل التي تم استخدامها في التأثير علي اتجاهات الشعوب، وعمل المستشرقون لصناعة تيار أدبي يركز علي الواقعية، وتبنت وزارات الثقافة ودور النشر هذا التيار الذي قام بتقليد كتاب الرواية الغربيين.

تمجيد الضعف الانساني!

الإنسان ضعيف لا يستطيع مقاومة الظروف، وهذا يبرر سقوطه وانحرافه؛ فهو لا يستطيع مقاومة الأقوياء الذين يتحكمون في الواقع .. كان انتشار تلك الفكرة يعني أن الشعوب عاجزة وضعيفة؛ ويجب أن تخضع للدول الاستعمارية التي تمتلك القوة، والعقل يفرض علي الضعيف أن ينظر إلي الأرض، ولا يسير وراء الذين يتبنون أفكار المقاومة والكفاح من أجل الحرية .

وتطبيقا لتلك الفكرة السائدة في روايات القرن العشرين؛ فإن كل الذين كافحوا ضد الاستعمار والاستبداد والفساد اضطروا في النهاية للخضوع والاستسلام .. وهذا يعني أن علي الشعوب الضعيفة أن تخنع وتسلم بعجزها في مواجهة القوة، وأن تقبل دور التابع الذليل المهزوم حضاريا لكي تعيش، فالثورة ضد الاقوياء تعني الانتحار ، والمقاومة إرهاب، والحكمة تعني قبول الأمر الواقع.

تدمير قوة المناعة

كانت تلك الفكرة مثل المرض الذي دمر مناعة الجسد، فازداد ضعفه، وتناقصت قدرته علي المقاومة، ففقدت الكثير من الشعوب الأمل، وأصابها الاكتئاب والإحباط .

كما يمكن أن نلاحظ تزايد قوة ذلك التيار في مصر بعد اتفاقية كامب ديفيد ، وارتبط ذلك التيار بالتأكيد علي قوة الكيان الصهيوني، وامتلاكها القنابل النووية ، وأنه لا أحد يستطيع مواجهة أمريكا .

وسارت أفلام السينما والمسلسلات التليفزيونية في هذا الاتجاه ، مع التأكيد علي أن التقدم يعني التخلي عن القيم الاجتماعية البالية مثل الشرف، فأنت يمكن أن تثور ضد عادات المجتمع وتقاليده وموروثه الحضاري، لكنك لا تستطيع أن تقاوم القوة .

أدب بدون أبطال!

لكن المشكلة تكمن في أن التيار الإسلامي صاحب المشروع الحضاري؛ الذي يقوم علي الكفاح ضد الاستعمار،  والاحتلال الصهيوني لفلسطين؛ لم يتمكن من تشجيع أدباء جدد يقومون بتصوير البطولات والتضحيات؛ التي قدمها هذا التيار ، بالرغم من أن سير أبطاله تشكل ثروة فكرية وثقافية، يمكن استثمارها في بناء نهضة أدبية، تصور أبطالا صمدوا وقاوموا كل أشكال الاستعمار والاحتلال.

ومن الواضح أن النظام الحاكم في مصر، منذ عام 1952، عمل لإخفاء الحقائق عن الكفاح ضد الاحتلال الانجليزي في القناة، حتي ينسب لنفسه جلاء الإنجليز عن مصر .. ولأن الأبطال الذين قاموا بهذا الكفاح ينتمون إلي الإخوان المسلمين الذين يشكلون القيادة الحقيقية لكفاح الشعوب ضد الاستعمار والتبعية والاستبداد .

أين قصص أبطالنا؟

لو ركزنا علي دراسة حالة مصر، فإن هناك الكثير من القصص الإنسانية الحقيقية لأبطال قدموا تضحيات لتحرير الوطن من الاستعمار، ويمكن أن تسهم قصصهم في زيادة وعي الشعب بأن جلاء الانجليز كان نتيجة لإدراكهم أنه من المستحيل أن يستمروا في مواجهة المجاهدين الإسلاميين في القناة، الذين أثارت بطولاتهم وتضحياتهم خيال الشعب المصري؛ فتزايدت شعبيتهم وقوتهم وقدرتهم علي قيادة كفاح طويل المدي .

لذلك يمكن أن نطرح سؤالا مهما هو: لماذا أصر عبد الناصر علي اعدام الشيخ محمد فرغلي، ودفع الصحفيين المنافقين لتشويه صورته؟!!، والإجابة علي هذا السؤال ترتبط بالقضية التي نناقشها، وهي إخفاء الحقائق عن كفاح الشعب المصري ضد الإنجليز في القناة .

لذلك يشكل تشجيع أدباء اسلاميين جدد علي تصوير قصص أبطالنا في القناة مرحلة جديدة لتوعية الأمة، وإعادة قدرتها علي مقاومة كل أشكال الاستعمار والاحتلال والتبعية .

مقاومة الاستعمار الثقافي

هناك الكثير من قصص الأبطال العظام في تاريخنا، يمكن أن نقدمها إلى الإنسانية التي أصبحت في أشد الحاجة لها، بعد أن أغرقت السلطات الشعوب بقصص الضعف والعجز والاستسلام للواقع .

كما أن هذه القصص يمكن أن تسهم في تحرير الأمة من الهزيمة النفسية، وتبرهن لها علي أنها تستطيع أن تتحرر من الاستعمار والاستبداد، وتبني مستقبلها علي قواعد الحرية والعدالة والاستقلال الشامل.

والأمة الإسلامية أصبحت بعد طوفان الأقصي تحتاج إلي تيار أدبي جديد يثور علي مقاييس النقد الأدبي الغربية، والواقعية الذليلة؛ ليصور الكثير من قصص الأبطال، الذين يواجهون قوة الاحتلال الصهيوني الغاشمة بإيمانهم بالله .

هؤلاء الأبطال يرفضون العبودية للواقع، والخضوع لمنطق القوة، ويثقون بنصر الله، ويلتزمون بمبادئ الاسلام وقيمه وأخلاقياته ومنظوره الحضاري، ولا يمكن أن تكسر القوة الغاشمة حلمهم بتحرير القدس والمسجد الأقصي وفلسطين ، ويجاهدون لتحرير الأمة من الهزيمة النفسية.

والأديب الذي يمكن أن يصور حياة أبطال حماس، يجب أن ينظر للحياة بمنظورهم الحضاري الاسلامي؛ لكي يفهم أسرار قوة الإنسان المؤمن الذي يصر علي أن يكون عبدا لله وحده، ويرفض الخضوع لشروط الواقعية .. ولذلك سيكون من أهم إنجازات الاخوان المسلمين في هذه المرحلة بناء هذا التيار الأدبي الذي يصور كفاح الأمة لبناء المستقبل .. دعنا نطلق خيالنا ونحلم!