اقتصاد مصر.. شعب يكابد الفقر وإعلام يروج الأكاذيب

الثلاثاء - 26 مارس 2024

  • الإعلام يغطي على الانهيار الاقتصادي بإبراز إنجازات وهمية ونقل صورة مغايرة للواقع
  • تعتيم إعلامي على المظاهرات الأخيرة في الاسكندرية والتنكيل بعدد من المشاركين فيها
  • توقعات بمستقبل مظلم للاقتصاد رغم تدفق الأموال المشبوهة وقروض الخليج وأوروبا
  • "فيتش": إجراءات النظام الأخيرة ستدعم السيولة الأجنبية ولن تكون حلا حقيقيا للأزمة
  • "بلومبيرج": السلطات ستعكس مسارها بشأن التخفيض الأخير للعملة في أقرب فرصة
  • 35.7 % نسبة الفقراء حتى 2023 و 90 % من الأسر خفضت استهلاكها من الضروريات
  • ارتفاع التضخم بشكل مخيف ليبلغ 36% خلال فبراير 2024 صعودا من 31.2% في يناير
  • مصر ضمن الخمس الأول في "البؤس العالمي" و بالمركز 127 عالميا بـ"مؤشر السعادة"
  • مصر بالمركز  65 عالميا و 3 عربيا في معدلات الجرائم بسبب تزايد نسب الفقر  والغلاء
  • "ستاندرد آند بورز": القطاع الخاص في مصر  ينكمش عند 47.1 نقطة في فبراير 2024

 

مركز إنسان للإعلام- خاص:

في الوقت الذي تتغنى فيه أصوات الإعلام المصري بحديث الانجازات الاقتصادية "الوهمية"، يعيش الاقتصاد المصري أسوأ مراحل انهياره، وتتوالي المؤشرات التي تؤكد أن مصر تسير في طريق مسدود، بسبب السياسات الفاشلة التي جعلت معظم فئات المجتمع تئن من عجزها عن تدبير مقومات الحياة الأساسية، في ظل ارتفاع هستيري للتضخم والأسعار، مما أسقط أكثر من 60% في براثن الفقر بدرجاته المختلفة.

الإعلام، بمختلف وسائله، يمارس قدرا هائلا من "الدجل"، ويخاول- باستماتة- نقل صورة وردية عن اقتصاد مأزوم.

في هذا الملف، نرصد مؤشرات انهيار الاقتصاد المصري، وتحذير المؤسسات الاقتصادية الدولية من مستقبل مظلم له، كما نرصد اتساع دائرة الفقر التي ابتعلت اكثر من نصف المصريين، ونرصد أيضا المعالجات غير المهنية للإعلام في هذه القضية الجوهرية في حياة المصريين.

اقتصاد متدهور وسياسات فاشلة

 بالرغم من "البروباجندا" الإعلامية حول انجازات السيسي الاقتصادية، والادعاء بوضع مصر على عتبات الخروج من الأزمة الاقتصادية، بعد صفقات التفريط في ممتلكات الشعب، وآخرها "رأس الحكمة"، ثم الرضوخ لشروط صندوق النقد الدولي؛ للحصول على قرض بقيمة 8 مليارات دولار، وما ترتب عليه من تعويم رابع للعملة المصرية، وقروض الاتحاد الاوربي ومنحه، وقرض البنك الدولي، إلا أن الواقع الاقتصادي لمصر ينذر بمزيد من التدهور .

وكالة "فيتش" للتصنيف الائتماني، اكدت في منتصف مارس 2024، إن الإجراءات الاقتصادية التي اتخذها نظام السيسي مؤخرا ، ستدعم السيولة الأجنبية لدى البنوك، لكنها في المقابل ستضغط على رؤوس الأموال ، ولن تكون حلا حقيقي لإنهاء الأزمة الاقتصادية بالبلاد .

وأضافت "فيتش"  أن "مصر ستظل تواجه تحديات اقتصادية ومالية كبيرة تضع ضغوطا على وضعها الائتماني" ، وأشارت الوكالة إلى أن "وضع الاقتصاد الكلي في مصر سيظل صعبا في العامين الماليين 2024 و2025، مع ارتفاع معدلات التضخم ونمو ضعيف نسبيا".

واكدت الوكالة ان من الأخطاء اعتماد مصر لسنوات طويلة على التمويل الممنوح من صندوق النقد الدولي، عبر القروض أو على ودائع الحلفاء الخليجيين.(1)

وفي السياق نفسه، قال توبي إيلز، رئيس الصناديق السيادية لمنطقة الشرق الأوسط وأفريقيا لدى وكالة "فيتش": إن الضخ الدولاري الكبير لمصر وخفض قيمة العملة ورفع أسعار الفائدة ليست كافية لتعديل التصنيف الائتماني، مضيفا أن الوكالة تراقب في الوقت الحالي دوام الإصلاحات قبل اتخاذ قرار بشأن رفع التصنيف الائتماني.(2)

ومن علامات التدهور الاقتصادي بمصر ما أظهرته مؤشرات الموازنة العامة للسنة المالية المقبلة 2024/2025 التي تحل في الأول من يوليو/تموز المقبل من تحديات جمة، في ظل العجز المالي المتفاقم الذي يقدر بنحو 1.3 تريليون جنيه (26.2 مليار دولار)، في حين تحاول الحكومة طمأنة مجتمعات الأعمال بعدم فرض ضرائب جديدة وإفساح المجال أمامها لقيادة النمو الاقتصادي.

وتظهر مؤشرات الميزانية، خلال الأشهر الثمانية الماضية، زيادة العجز الكلي من 5% إلى 6.7%، عن نفس الفترة من العام الماضي، متأثرة بارتفاع أسعار الفائدة، والتي أدت إلى زيادة المصروفات العامة بنسبة 52%، وفقا لتصريحات وزير المالية.(3)

وجاء العجز مدفوعاً بارتفاع فوائد الدين 100% على أساس سنوى خلال نفس الفترة لتصل إلى 962.9 مليار جنيه، وهى أكبر من إجمالى الإيرادات خلال نفس الفترة من العام والتى بلغت 952 مليار جنيه، مرتفعة 38.6% عن الفترة نفسها من العام المالى السابق.(4)

الأزمة الاقتصادية مازالت تهدد مصر

من جانبها، طرحت شبكة "بلومبيرغ" الأميركية، في تقرير لها، 7 تساؤلات عن اتجاهات الاقتصاد المصري بعدما تجنب الانهيار بشكل مؤقت نتيجة إغداق القروض والتمويلات عليه.

أكد التقرير أن مصر تحصل على معظم عملتها الصعبة من صادرات الطاقة والسياحة ورسوم السفن التي تعبر قناة السويس، والتحويلات التي يرسلها المغتربون إلى الوطن الأمن ، هذا في حين تعاني الصناعات المحلية من ضعف الاستثمار، وتشكو الشركات الخاصة من المنافسة غير العادلة التي تفرضها الكيانات المرتبطة بالجيش.

أكد أن هذا يحد من الاستثمار الأجنبي المباشر خارج صناعة النفط والغاز، بما يجعل الموارد المالية لمصر أكثر عرضة للتدفقات المتقلبة من "الأموال الساخنة" التي تستثمرها الصناديق الدولية على مدى فترات أقصر، والتي من الممكن أن تهرب في أي وقت كما حدث من قبل.

أضاف التقرير أنه بالرغم من التدافع على سندات مصر بالعملة المحلية،  إلا أن المستثمرين بانتظار المزيد من الأدلة على أن البلاد قد تجاوزت مرحلة صعبة قبل أن يستثمروا أموالهم في استثمارات أكثر استراتيجية وأطول أجلاً.

وأضاف تقرير "بلومبرج" أن الأزمة الاقتصادية مازالت تهدد مصر، وانه حتى أواخر عام 2023، أنفقت مصر نحو نصف إيراداتها على فوائد الديون. ولم يكن ذلك مستداماً إلا بسبب أسعار الفائدة المرتفعة التي دعمت الطلب الأجنبي على الديون المحلية.

وقال "التقرير" : وأحد المخاوف السائدة بين المستثمرين الآن هو أن السلطات ستعكس مسارها بشأن التخفيض الأخير لقيمة العملة في أقرب فرصة، مثلما فعلت عام 2016 ثم في عام 2022، بهدف الحد من الزيادات المتسارعة في الأسعار التي تهدّد الاستقرار الاجتماعي وتجبر الحكومة على دفع المزيد من الإعانات.

زياد داوود، الخبير الاقتصادي للأسواق الناشئة في "بلومبيرغ"، قال  إن حركة الجنية أصبحت أثيرة الاوضاع الاقتصادية المتدهورة ، وان عدم استقراره  يحول دون التعويم الحر الحقيقي.(5)

ارتفاع نسب الفقر بشكل غير مسبوق  

ومن أهم مؤشرات الانهيار الاقتصادي، ارتفاع نسب الفقر في المجتمع المصري، حيث أكدت  دراسة حكومية، صدرت مؤخرا، أعدتها مستشار الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، هبة الليثي ، أن نسب الفقر في مصر أرتفعت الي  35.7 بالمئة، خلال عامي  2022/2023 رغم ارتفاع خط الفقر إلى 1478 جنيها شهريا (نحو 47.8 دولارا وقتها)، وارتفاع خط الفقر المدقع إلى 1069 جنيها شهريا (نحو 34.5 دولارا).

وذكرت الدراسة التي ، أن نسبة الفقر بلغت 33.7 بالمئة في 2022 في حين كانت النسبة 31.1 بالمئة في 2021 ارتفاعا من 29.7 بالمئة، وفق آخر إحصاء رسمي في 2020.

الدراسة التي صدرت بعنوان "تأثير الأوضاع الاقتصادية مؤخرا على الفقر"، توقعت استمرار ارتفاع نسب الفقر في العام الجاري 2024، و أرجعت زيادة معدل الفقر إلى ارتفاع التضخم مقارنة بزيادة أقل في الدخل، إلى جانب التغير النسبي في الأسعار خاصة أسعار السلع الغذائية التي شهدت ارتفاعا ملحوظا.

وأشارت الدراسة إلى أن 90 بالمئة من الأسر المصرية خفضت استهلاكها من اللحوم الحمراء والأسماك والدواجن، في 2023،ـ بسبب ارتفاع أسعارها، والبحث عن بدائل جديدة أقل تكلفة مثل النشويات، ما يؤدي إلى مضاعفات صحية.

وتمتد آثار الفقر إلى زيادة وتيرة الجرائم، حيث تأتي مصر بالمركز الـ 65 عالميا والـ 19 أفريقيا والثالث عربيا بمعدلات الجرائم بين الدول، وفق تصنيف "نامبيو" لتقييم مستوى الجريمة ودرجة الأمان بدول العالم عن العام 2022.

ومن الآثار الاجتماعية السلبية، ارتفاع معدلات الطلاق بنسبة7.9% بينما كان 5.9 بالمئة خلال عام 2022 وسجل عدد حالات الطلاق 269.8 ألف حالة مقابل 254.8 ألف حالة في 2021، أي ما يعادل 29 بالمئة من عقود الزواج، بحسب بيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء.

إحصائية سابقة للبنك الدولي أكدت ان اكثر من 60% من المصريين يعيشون تحت خط الفقر، وأن هذه النسبة مرشحة للارتفاع في المرحلة المقبلة في ظل استرار السياسات الاقتصادية الحالية . (6)

ووفق تقديرات جهاز الإحصاء، فإن قيمة خط الفقر المدقع للفرد عام 2020 كانت 6604 جنيهات بنحو 550 جنيها للفرد شهريا، فيما بلغت عام 2021، حوالي 10279 جنيها ما يعني 857 جنيها للفرد شهريا.(7)

مصر في قائمة الدول الاكثر بؤسا

وفي ظل السياسات المفقرة للشعب، حافظت مصر على وجودها في مؤشر الدول الأكثر بؤسا وكذلك الدول الأقل سعادة في العالم؛ بسبب إخفاقها المستمر في تحسين أوضاعها الاقتصادية والاجتماعية والحقوقية طوال السنوات الماضية، وغرقها في سلسلة من الأزمات الاقتصادية، وقد حلت مصر ضمن 5 دول عربية في المراكز الأولى على مؤشر "هانكي للبؤس العالمي" للعام 2023. كما حلت في المركز الثامن عشر عالميا، ما يضعها ضمن الدول البائسة وهو الوضع الذي لم يتغير منذ سنوات طويلة.

بالتزامن، لم يكن حظ مصر على قائمة مؤشر السعادة العالمي بأفضل حالا، وعكس أيضا حالة البؤس التي يعيشها المصريون منذ إطلاق المؤشر للمرة الأولى عام 2012.

وحلت مصر في المرتبة الـ 12 عربيا والـ 127 عالميا في مؤشر السعادة العالمي للفترة 2021-2023، استمرارا لترتيبها المتدني.

ومن خلال هذه التصنيفات الدولية، تكون حقبة حكم السيسي هي الأسوأ على الإطلاق بين جميع من حكموا مصر منذ الانقلاب العسكري عام 1952 بعد أن ورط البلاد في سلسلة أزمات اقتصادية كبيرة، بشهادة جميع المؤسسات الدولية المالية والاقتصادية.(8)

ارتفاع غير مسبوق للتضخم والأسعار

ومن مظاهر الانهيار الاقتصادي، تسارع ارتفاع نسبة التضخم السنوي في مصر بشكل غير مسبوق ، وقد بلغت  36% خلال فبراير/ شباط 2024، صعوداً من 31.2% في يناير/ كانون الثاني السابق له، وسط زيادات على أسعار الأغذية والمواصلات والضيافة، وذلك بحسب بيان صادر في أول مارس الحالي، عن الجهاز المركزي للتعبئة والإحصاء.

وخلال فبراير الماضي، قفز تضخم أسعار الأغذية والمشروبات بنسبة 48.5% على أساس سنوي، وسط ارتفاع أسعار الخضراوات بنسبة 74%، واللحوم والدواجن بنسبة 43%، والحبوب 47%.

وانخفض مؤشر وكالة "ستاندرد أند بورز" لمديري المشتريات العالمي في مصر إلى 47.1 نقطة في فبراير/ شباط 2024 من 48.1 نقطة في يناير/ كانون الثاني، ليظل دون عتبة 50 نقطة التي تفصل بين النموّ والانكماش للشهر التاسع والثلاثين على التوالي.

وقالت "ستاندرد أند بورز غلوبال" إن القراءة الإجمالية للمؤشر هي الأدنى منذ 11 شهراً، مع انخفاض الطلبيات الجديدة بأسرع معدل لها منذ مارس/ آذار 2023 وتراجع المبيعات المحلية وسط ضغوط الأسعار التضخمية والتحديات في ما يتعلق بالعرض.

وحلت مصر في المرتبة السادسة ضمن أعلى عشر دول في العالم في ارتفاع معدلات التضخم وأسعار المواد والسلع الغذائية، بعد سورينام بقارة أمريكا الجنوبية، بنسبة ارتفاع بلغت 66 بالمئة، وفقا لبيانات البنك الدولي.(9)

ومن مظاهر الانهيار الاقتصادي الارتفاع الهستيري غير المسبوق في الأسعار ، وقد بلغت ذروة هذا الارتفاع  في مارس2024، بالرغم من إعلان الحكومة عن توفير الدولار بالبنوك.

ولم يؤثر التراجع بقيمة الدولار مقابل الجنيه إلى حدود 50 جنيهاً في السوق الموازية، و49 جنيهاً بالبنوك في تعاقدات التجار، حيث ينتظر الجميع خروج السلع المكدسة بالموانئ لوضع تسعيرة السلع المفرج عنها في ضوء التسهيلات المالية التي قدمتها الحكومة للإفراج عن السلع، وتكلفة الدولار، عند التعاقد على شرائها، والذي بلغ نحو 75 جنيها، في تعاقدات الموردين، خلال شهري يناير/ كانون الثاني وفبراير/ شباط الماضيين.(10)

ولعل من مؤشرات الانهيار الاقتصادي، استمرار حكومة السيسي في رفع أسعار الوقود لاكثر من 16 مرة منذ انقلاب يوليو 2013 وحتى 22 مارس 2024، حيث أعلنت لجنة التسعير التلقائي للمنتجات البترولية في مصر عن رفع أسعار بيع السولار (الديزل) والبنزين بأنواعه الثلاثة في السوق المحلية، بنسب كبيرة تصل إلى 21%، وزيادة سعر بيع أسطوانة الغاز للاستخدام المنزلي من 75 إلى 100 جنيه، بارتفاع نسبته 33%، وذلك في إطار ما يعرف بـ"المراجعة الدورية لأسعار بعض أنواع الوقود بشكل ربع سنوي".

وبذلك، خالفت اللجنة مجدداً القرار المنشئ لعملها في 2019 بـ"عدم تعديل أسعار بيع منتجات الوقود في السوق المحلية بنسبة لا تزيد على 10%، ارتفاعاً وانخفاضاً"، علماً أن الزيادة تتعلق بأسعار البيع في الربع الثالث من العام المالي الجاري (يناير/ كانون الثاني– مارس/ آذار)، ما يمهد إلى زيادة أخرى قريبة في أسعار البيع للربع الأخير من العام المالي (إبريل/ نيسان– يونيو/ حزيران).(11)

وفي اعقاب هذا الارتفاع  ارتفعت اسعار معظم السلع، ومنها المخبوزات بشكل أساسي، والتي تمثل عصب غذاء المصريين، وقال رئيس شعبة المخابز بالغرف التجارية: إن أسعار الفينو والمخبوزات والعيش السياحي، قد ترتفع بنسبة تصل لـ 20%، موضحا أن أصحاب المخابز رفعوا الاسعار مجددا . (12)

وفي نفس السياق ارتفعت اسعار النقل والمواصلات نظرا لتحريك أسعار الوقود من لجنة التسعير.(13)

وخلال الاسبوع الاخير من مارس ، واصلت أسعار مختلف السلع ارتفاعها في مصر، رغم الوعود الرئاسية والحكومية المتكررة بضمان استقرار أسعار المنتجات الأساسية وتوفيرها في الأسواق.

تشمل موجات الغلاء زيادة أسعار الطعام، كالدواجن والأجبان والبيض والسكر والزيوت، وهو ما يتعارض مع موجات انخفاضات سعرية تشهدها الأسواق الدولية، وذلك رغم ما ترصده الحكومة من مليارات الدولارات للإفراج عن السلع والبضائع المكدسة في الموانئ.

كما ارتفعت أسعار الأدوية والمستلزمات الطبية والملابس، مع استقرار نسبي في أسعار السلع المعمرة والاستهلاكية غير الأساسية.

ويزيد الغلاء غضب المواطنين في ظل تردي الأحوال المعيشية وتصاعد الاضطرابات السياسية في المنطقة، وتراجع قيمة الدخول وارتفاع معدلات البطالة.(14)

الإعلام يمارس التضليل في الشأن الاقتصادي

بالرغم من الوضع الاقتصادي المنهار، باعتراف المؤسسات الاقتصادية الدولية، يلعب الإعلام المصري، بمختلف وسائله، دورا مشبوها في التغطية على تصاعد الأزمة الاقتصادية بمصر، رغم انكشافها.

يتحدث الإعلام عن إنجازات اقتصادية وهمية، وبالوقت نفسه يطالب المصريين بالتحمل من أجل مصر.

 الصحف المصرية ضالعة في حملات التهليل لإنجازات وهمية، لم ير المواطن أي أثر لها في حياته اليومي ، ومن ذلك طريقة تعاطي صحيفة "الأهرام" مع الملف الاقتصادي بمثل هذه العناوين:

  • "مدير صندوق النقد تشيد بأداء اقتصاد مصر وصموده في مواجهة التداعيات السلبية الناجمة عن كورونا والأزمة الروسية" . (15)
  • "من ارتفاع التضخم إلى نقص الدولار.. كيف قاد الجهاز المصرفي الاقتصاد المصري في عام التحديات؟". (16)
  • "قيادي بمستقبل وطن: الصناعة قادرة على حل الأزمة الاقتصادية ومصر لديها الإرادة القوية في تجاوز الأزمات" . (17)

صحيفة وموقع اليوم السابع ، سخرت قوالبها الصحفية للتهليل للسيسي وانجازاته في المجال الاقتصادي ، متجاهله تصاعد الازمة وتأثيرها على المواطنين ومن أمثلة معالجاتها

  • "حزب المحافظين: إنجازات السيسى الاقتصادية لا ينكرها إلا حاقد أو جاهل".(18)  
  • "إنجازات السيسى الاقتصادية تتوالى.. قطاع السيارات تلقى أكبر دعم بتوجه الدولة للطاقة النظيفة وتعميق التصنيع المحلى.. مصر لديها 3 مصانع قادرة على تحويل السيارات لتعمل بالغاز الطبيعى بطاقة 50 ألف سيارة سنويا". (19)   
  • "مشروعات الدولة أتاحت فرصا استثمارية متنوعة.. أكرم القصاص: إنجازات الاقتصادية آخر 7سنوات لم نشهدها طوال تاريخنا الحديث.. طارق شكرى: موجة التضخم أثبتت أن القطاع العقارى غنى ورائد". (20)
  • "الاستثمارات الأجنبية مفتاح التنمية الاقتصادية.. نواب يشيدون بتوجه الدولة نحو تحسين مناخ الاستثمار.. ويؤكدون: جهود الدولة أحدثت طفرة غير مسبوقة ودفعت مصر للمركز الأول أفريقيا في مؤشر جذب الاستثمارات" . (21)  

صحيفة الدستور لم تخرج معالجاتها عن الأطر السابقة ، ومن أمثلة معالجاتها:

  • "حنفي: إصلاحات "السيسي" الاقتصادية ساهمت فى زيادة معدلات النمو ". (22)
  • "برلماني: الرئيس السيسي ضبط آداء الاقتصاد المصري وحقق اصلاحات جذرية" . (23)
  • "«ذا ناشيونال»: السيسى قاد ثورة إصلاحات اقتصادية من 2014 ". (24)  
  • "برلمانى: الرئيس السيسى هدية الله لمصر.. وإنجازاته الاقتصادية  «معجزات» ". (25)

ونستقرئ من المعالجات الصحفية السابقة ،  مجموعة من الحقائق والدلالات ومنها

  • التشابه في معالجات الصحف للملف الاقتصادي ، من حيث العناوين والمتن ، بما يعكس أنها خاضعة لأوامر  الجهات السيادية وسياسة "الصوت الواحد"، ما دفعها لتعظيم انجازات وهمية ، لا يشعر بها أحد من المصريين .
  • التركيز على إسناد أي إنجاز اقتصادي للسيسي، ونقل صورة غير واقعية عن جهوده وسعيه المستمر لحل الازمة الاقتصادية.
  • خلت المعالجات الصحفية من التعرض لمؤشرات انهيار الاقتصاد، ومنها الفقر والتضخم، وارتفاع الأسعار الهستيري، واكتفت الصحف بالإشارة إلى نسب نمو وهمية، وتصوير الأزمات على أنها مؤامرة "كونية" ضد مصر، أو مجرد آثار لأزمات دولية وستنتهي قريبا!
  • خلت معالجات الصحف من المواد التي تنقل ردود الأفعال الشعبية  تجاه تصاعد الأزمة الاقتصادية، بل اكتفت بمطالبة المصريين بالصبر حتى تمر هذه المرحلة .
  • تجاهلت الصحف في قوالبها الصحفية ، المسار المعيشي المتدهور،  لأكثر من 35 مليون مصري يغرقون في وحل الفقر والجوع، في حين ينصب اهتماماتها على تسليط الضوء على مجتمعات الأثرياء والنجوم .     

"بهلوانات" يرقصون على آهات الفقراء

في السياق نفسه، لعب "بهلوانات السيسي " من الإعلاميين دورا كبيرا في التغطية والتعتيم الإعلامي على انهيار الاقتصاد، بل روجوا أيضا لإنجازات وهمية، محذرين -زورا- من عودة ما أسموه "جحيم الإخوان"!.

المذيع أحمد موسى، خرج ليؤكد  أن "الدولة تواجه عدة تحديات في وقت واحد"، زاعما أنه "لا توجد دولة في العالم تتحمل ما تمر به مصر من تحديات متعددة في وقت واحد".

 وقال موسى، خلال تقديم برنامج «على مسئوليتي»، عبر قناة «صدى البلد»، بتاريخ  ، 20 يناير 2024، "إن الأزمة الاقتصادية أرحم من عودة الإخوان"، بل ادعى "موسى"  أن الأزمة الاقتصادية أقل من القتل والتدمير الذي فعلته "الجماعة"!!.(26)

وفي 7 فبراير 2024، أكد "موسى" في برنامجه "على مسئوليتي" أن قرارات السيسي الاقتصادية أكدت انحيازه للمواطن المصري"!ّ (27)

بل وصلت به الجرأة في التضليل أن يصف إنجازات السيسي الاقتصادية بأنها فريدة، و "عجز أي رئيس سابق عن تحقيقها"، وذلك في حلقة برنامجه على مسئوليتي، بتاريخ  29 يونيو 2021.(28)

بدوره، بشر المذيع نشأت الديهي المصريين بأن مصر  خرجت  من كبوتها الاقتصادية، وذلك في برنامجه بالورقة والقلم»، المذاع على فضائية «ten»، بتاريخ ، 20 يناير 2024، "بفضل سياسات السيسي الاقتصادية"، متعاميا عن كل مؤشرات انهيار الاقتصاد المصري بسبب هذه السياسات. (29)

ووصل الخيال بـ "الديهي" أن يصف انجازات السيسي الاقتصادية بأنها "لم تحدث منذ قرون"! كما وصف  ما أسماه "الاصلاحات الاقتصادية بمصر منذ 2016 بأنها معجزة"، وأن مصر تعيش في عهد السيسي عصرها الذهبي ، وذلك في حلقة برنامجه "بالورق والقلم "، بتاريخ  14 يوليو 2019 (31) .

المذيع عمرو أديب، دأب في التعامل مع ملف الأزمة الاقتصادية على قلب الحقائق، وتأكيد أن نظام السيسي يسعى دوما لإيجاد حلول جذرية لها، وأن الظروف الدولية هي التي تفرض أوضاعا صعبة على مصر ، بل ووصل الأمر به في حلقة برنامجه "الحكاية" المذاع عبر فضائية "mbc مصر"، بتاريخ 24 يناير 2024، أن يؤكد أن "تصريحات السيسي  واضحة وكاشفة، وأنه لا يقبل بأنصاف الحلول، و دوما يسعى للمواجهة"، متجاهلا السياسات الاقتصادية الفاشلة التي وصلت بمصر لحافة الانهيار الاقتصادي . (32)  

كما زعم "أديب" أن  السيسي "ضحى بكثير من شعبيته لصالح البلد"، وأنه "يستهدف إصلاح اقتصادها لتكون الأجيال القادمة سعيدة". (33)  

بل وصل بعمرو أديب الخيال لأن يؤكد للمصريين أن "مصر ستكون ضمن أقوى 15 اقتصادًا في العالم سنة 2050"، وذلك خلال برنامج «الحكاية»، بتاريخ  23 اغسطس 2019!. (34)

المذيعة قصواء الخلالي، ادعت أن "التقارير الدولية تؤكد أن "اقتصاد مصر واعد بدرجة عظيمة"، وذلك خلال برنامجها «المساء مع قصواء» ،بتاريخ   26 فبراير 2024 ، متجاهلة توالي التقارير الدولية التي تحذر من تراجع الاقتصاد المصري وانه مهدد بالإفلاس. (35)  

نستقرئ من معالجات المذيعين المصريين لملف الأزمة الاقتصادية، أن هناك محاولة مستميتة لفرض واقع افتراضي بعيدا عن ما يعيشه المصريون من أزمة اقتصادية عصفت بحياتهم ، والتغطية على الفشل الاقتصادي للسيسي ونظامه.

كما حرص الإعلاميون على إحياء الأمل لدى المصريين بوعود كاذبة منها أن الاقتصاد سيكون أفضل، ولكن تأتي مخرجات الواقع الاقتصادي لتؤكد عكس ذلك.

وحرص الإعلاميون أيضا على تضخيم إنجازات النظام الانقلابي الاقتصادية، والتي أيقن المصريون من خلال واقعهم أنها وهمية، كما خلت البرامج من أي صوت ناقد للسياسات الاقتصادية المتبعة، ولم يستضيفوا إلا "الخبراء" الذين يسيرون في ركب السيسي .

ولم يكن الغضب الشعبي المتصاعد بسبب الأزمة الاقتصادية حاضرا -بطبيعة الحال- على الشاشات، فوجد متنفسا في عشرات الآلاف من مقاطع الفيديو، التي عبر فيها المصريون عن شكواهم من الفقر ورفضهم للسياسات الاقتصادية المتبعة.

نخلص مما سبق إلى أن الانهيار الاقتصادي بمصر، كان نتيجة طبيعية لسياسات حاكم مستبد،  قزّم مصر ودورها التاريخي، من مرحلة "أد الدنيا " إلى "خد دي"، ولا يجد المصريون منه إلا تبريرات مستمرة لفشله في إدارة الدولة التي تحولت على يده إلى "شبه دولة" تتسول قوتها اليومي ، ويتحكم في سياساتها أقزام المنطقة .    

المصادر:

  1. "كيف قيّمت وكالة "فيتش" إصلاحات مصر الاقتصادية؟"، عربي21 ، 15 مارس 2024 ، https://n9.cl/qmgkj
  2. "فيتش: الإجراءات الاقتصادية الأخيرة بمصر ليست كافية لتعديل تصنيفها" ، رصد، 16 مارس 2024، https://rassd.com/538511.htm
  3. عادل صبري،"عجز مالي متفاقم في مصر يقلق المستثمرين" ، العربي الجديد،13 مارس 2024، https://n9.cl/tssla 
  4. "خلال 7 أشهر.. فوائد الديون تلتهم 101% من إيرادات موازنة مصر" ، رصد، 5 مارس 2024، https://rassd.com/538256.htm
  5. ""بلومبيرغ": أجوبة 7 أسئلة أساسية عن الاقتصاد المصري" ، العربي الجديد ،22 مارس 2024 ، https://n9.cl/3e13w
  6. "دراسة رسمية ترفع عدد الفقراء إلى أكثر من 35 مليونا.. أفقرتهم سياسات السيسي" ، أخبار الغد، 19 اكتوبر 2023 ، https://n9.cl/puhqb
  7. "مسؤول مصري يعلن ارتفاع خط الفقر 63 بالمئة.. ماذا يعني ذلك؟"، عربي 21 ، 14 سبتمبر 2023 ، https://n9.cl/2wh4gy
  8. "ملامح فترة حكم السيسي الجديدة.. مصر في قائمة الدول الأكثر بؤسا" ، عربي21 ، 21 مارس 2024 ، https://n9.cl/trd9sa
  9. "مصر: ارتفاع التضخم إلى 36% في فبراير" ، العربي الجديد،10 مارس 2024،  https://n9.cl/naxfd
  10. عادل صبري، "الغلاء ينهش مصر: إخراج بضائع بـ3 مليارات دولار من الموانئ" ، العربي الجديد، 13 مارس 2024، https://n9.cl/4ahm3f
  11. "مصر ترفع أسعار السولار والبنزين بنسب تصل إلى 21%" ، العربي الجديد، 22 مارس 2024، https://n9.cl/3eq6xg
  12. "الغرف التجارية: زيادة السولار سترفع الأسعار 10٪" ، رصد ، 23 مارس 2024،  https://rassd.com/538689.htm
  13. "ارتفاع أسعار المواصلات العامة في مصر بعد رفع البنزين والسولار" ، 23 مارس 2024، https://rassd.com/538685.htm
  14. "شح في السلع وغلاء لا يتوقف بمصر رغم انفراجة الدولار" ، العربي الجديد ،23 مارس 2024،  https://n9.cl/yqx1g
  15. "مدير صندوق النقد تشيد بأداء اقتصاد مصر وصموده في مواجهة التداعيات السلبية الناجمة عن كورونا والأزمة الروسية" ، الأهرام، 30نوفمبر2023 ،  https://n9.cl/rqf2n
  16. "من ارتفاع التضخم إلى نقص الدولار.. كيف قاد الجهاز المصرفي الاقتصاد المصري في عام التحديات؟" ، الأهرام ، 31 ديسمبر 2023 ، https://n9.cl/19me6
  17. "قيادي بمستقبل وطن: الصناعة قادرة على حل الأزمة الاقتصادية ومصر لديها الإرادة القوية في تجاوز الأزمات" ، الأهرام ، 4 فبراير 2024 ، https://n9.cl/krda1
  18. "حزب المحافظين: إنجازات السيسى الاقتصادية لا ينكرها إلا حاقد أو جاهل" ، اليوم السابع ، 1مارس 2018 ، https://n9.cl/f3cypk
  19. "إنجازات السيسى الاقتصادية تتوالى.. قطاع السيارات تلقى أكبر دعم بتوجه الدولة للطاقة النظيفة وتعميق التصنيع المحلى.. مصر لديها 3 مصانع قادرة على تحويل السيارات لتعمل بالغاز الطبيعى بطاقة 50 ألف سيارة سنويا" ، اليوم السابع، 19 أكتوبر 2020 ، https://n9.cl/uemgaw
  20. "مشروعات الدولة أتاحت فرصا استثمارية متنوعة.. أكرم القصاص: إنجازات الاقتصادية آخر 7سنوات لم نشهدها طوال تاريخنا الحديث.. طارق شكرى: موجة التضخم أثبتت أن القطاع العقارى غنى ورائد"، اليوم السابع ،15 ديسمبر 2021 ، https://n9.cl/tma60
  21. "الاستثمارات الأجنبية مفتاح التنمية الاقتصادية.. نواب يشيدون بتوجه الدولة نحو تحسين مناخ الاستثمار.. ويؤكدون: جهود الدولة أحدثت طفرة غير مسبوقة ودفعت مصر للمركز الأول أفريقيا في مؤشر جذب الاستثمارات" ، اليوم السابع ،  8 يناير 2024 ، https://n9.cl/u3c44b
  22. "حنفي: إصلاحات "السيسي" الاقتصادية ساهمت فى زيادة معدلات النمو "، الدستور ، 13 يوليو 2018 ، https://www.dostor.org/2247478
  23. "برلماني: الرئيس السيسي ضبط آداء الاقتصاد المصري وحقق اصلاحات جذرية" ، الدستور ، 18 يونيو 2021، https://www.dostor.org/3484675
  24. "«ذا ناشيونال»: السيسى قاد ثورة إصلاحات اقتصادية من 2014 " ، الدستور ، 14 يونيو 2022 ،https://www.dostor.org/4108353
  25. "برلمانى: الرئيس السيسى هدية الله لمصر.. وإنجازاته الاقتصادية  «معجزات» " الدستور ، 3يونيو 2021 ، https://www.dostor.org/3469455
  26. "أحمد موسى: الأزمة الاقتصادية أقل من خراب جماعة الإخوان الإرهابية في مصر" ، اخبار اليوم ، 20 يناير 2024 ، https://n9.cl/7lic4
  27. "أحمد موسى: قرارات الرئيس السيسي أكدت انحيازه للمواطن المصري" ، الاسبوع , 7 فبراير  2024 ، https://n9.cl/kzz0f7
  28. "أحمد موسى يشيد بالاقتصاد المصري: الرئيس السيسي لما بيقول بيعمل"، صدي البلد  ، 29يونيو 2021 ، https://www.elbalad.news/4872062
  29. "نشأت الديهي: مصر ستخرج من الأزمة الاقتصادية قريبا" ، الوطن، 20 يناير 2024، https://n9.cl/5szcuj
  30. "نشأت الديهي: الانجازات المتحققة في عهد السيسي لم تحدث منذ قرون" ، الأسبوع ،  10 مارس 2023 ، https://n9.cl/mxe78
  31. "الديهي: إنجازات السيسي معجزة بكل المقاييس.. ومصر تعيش في عصرها الذهبي" ، الوطن ، 14 يوليو 2019 ، https://n9.cl/te9df
  32. "عمرو أديب: الأزمة الاقتصادية الراهنة لا تقبل بأنصاف الحلول" ، مصراوي، 27 يناير 2024 ، https://n9.cl/w7wzh
  33. "عمرو أديب: السيسي ضحى بكثير من شعبيته لصالح البلد.. واللي هيجي بعده هيكون سعيد" فيتو ، 23 أكتوبر 2022 ،  https://www.vetogate.com/4723535
  34. "عمرو أديب يفجر مفاجأة عن وضع الاقتصاد المصري عالميًا" ، موقع " المرصد" ، 23 اغسطس 2019 ، https://n9.cl/twlek0
  35. "قصواء الخلالي: التقارير الدولية تؤكد أن اقتصاد مصر واعد بدرجة عظيمة" ، الاهرام، 26 فبراير 2024 ، https://n9.cl/0cwx8