اتجاهات خطاب وسائل الإعلام العربية في التعاطي مع طوفان الأقصى

السبت - 25 مايو 2024

- د. نصرالدين مهداوي
( باحث جزائري في علوم الإعلام والاتصال )

بقلم: د. نصرالدين مهداوي

لما نتحدّث عن قضية تغطية الإعلام العربي للعدوان الإسرائيلي على غزّة نجد بعض القنوات العربية حيادية، ونقلها للوقائع كما هي سواء ما تعلّق بتغطية اقتحام حركة حمس وفصائل القسام  بعض المستوطنات الإسرائيلية في غلاف غزة، وأخذهم  أسرى، وبعض القنوات العربية انحازت كليا في تغطياتها للقضية الفلسطينية مساندة لها وبعض القنوات العربية الأخرى تحفّظت في تغطياتها، ويبقى الوتر الذي يلعب هنا هي قضية التّطبيع التي أصبحت هي المؤثر الفاعل في الخط الافتتاحي للمؤسسات الإعلامية.

وتجد تحيّزات إعلامية، صريحة وإيحائية، فرصا أعلى للتّمادي في بيئات انغلقت على رواية داعمة للاحتلال، ففي بعض بلدان وسط أوروبا وشرقها مثلا تتطابق مضامين التّغطيات تقليدياً مع سرديات الدّعاية الإسرائيلية.

منذ شنّت المقاومة هجومها الأول ضمن معركة “طوفان الأقصى” بدأت معه معركة أخرى في الفضاءات الإعلامية والإلكترونية، وهي معركة الخطابات وحرب السرديات، وكان من الغريب أن تنتقل تلك المعركة إلى الأوساط “العربية-العربية”؛ إذ يشهد الخطاب العربي تجاه القضية الفلسطينية والمقاومة حالة من الاختراق الصّهيوني المتزامن مع والسّابق لموجة التطبيع من بعض الدّول العربية ضمن موجة التّطبيع الثالثة.

ومما يسترعي ويستدعي التوقّف عند طبيعة تحولات ذلك الخطاب وسردياته رصد التغطية الإعلامية العربية لعمليَّة “طوفان الأقصى”، وأهم مستجداتها ضمن تغطيتها لقضية طالما وُصِفت بكونها قضية الأمّة الأولى، ويستدعي المنطق أن يكون الإعلام العربي على قلب رجل واحد في تغطية المستجدات الميدانية والسياسية والإنسانية للقضية الفلسطينية، وتقديم تغطية إعلامية عربية إسلامية تدعم سردية مقاومة الاحتلال، وفضح جرائمه وانتهاكاته بحقّ الفلسطينيين؛ إلا أنّ ذلك تغير جزئيا على نحو ما تغيرت معه الاتجاهات الإعلامية في ظل الموجة الجديدة من التطبيع.

ولكن هذه الموجة جاءت مختلفة عن سابقتيها متجاوزة لدول الطوق، ومع دول لم تشهد حالة حرب مع الكيان الإسرائيلي، كما أنّها جاءت مختلفة في اتجاهاتها الإعلامية التي هيمن عليها التّحامل على المقاومة والتحرّز من مهاجمة الاحتلال أو التحرّز من تغطية أعمال وخطاب المقاومة، وهذا ما سيتّضح من خلال عملية الرّصد وتأثير التحولات العربية تجاه القضية الفلسطينية والتطبيع مع الاحتلال على تناول معركة طوفان الأقصى ومستجداتها إعلاميًا.

ولما نتحدث عن اتجاهات المشهد الإعلامي العربي، وعند تناول تغطية الإعلام العربي لمعركة “طوفان الأقصى”، من المهم فرز وتصنيف المادة الإعلامية العربية وما تستبطنه من سرديات نحو القضية الفلسطينية عمومًا والمقاومة خصوصا للانتباه لطبيعة تلك التغطية وسرديتها، ويمكن تقسيم اتجاهات المشهد الإعلامي العربي إلى أربعة اتجاهات رئيسية:

الأول: إعلام المقاومة التي تستدعي من خلية إعلام المقاومة القيام بحملات إعلامية غرضها موجهة الرّأي العام الدّولي تنديداً بسياسات العدو الغاشم وصمود المقاومة الثّائر بخطابات قوية موجهة كأداة إعلامية للضّغط على العدوان الإسرائيلي لتحرير رقاب الأسرى الفلسطينيين.

أمّا الاتجاه الثاني، فهو إعلام عربي داعم للمقاومة والقضية الفلسطينية الذي يعمل على تكثيف تغطياته الإعلامية للتأثير عن الدّول العربية المتحفّظة بعدم الانحياز في تنوير المشهد الحقيقي للعدوان للتحرّك لتبنّي القضية وتحمّل المسؤولية الإعلامية والنزاهة الكاملة في الدّفاع عن الثورة الفلسطينية، باعتبارها ثورة عقائدية عرقية معبرة عن انبهارها بصمود المقاومة والشعب الفلسطيني بطوفان الأقصى وتنوير الرّأي العام الدّولي بالجرائم الشّنعاء التي يقوم بها العدو الإسرائيلي في حقّ الأبرياء الأطفال والنّساء والمستضعفين.

واتجاه ثالث إعلام عربي متحفّظ مطبّع بحكم الاتفاق الدبلوماسي الذي يجمعه مع العدو لحماية استقرار مصالحه الشخصية النظامية والاقتصادية والجيواستراتيجية، رفض تبني المسؤولية لتغطية مشهد الأحداث والوقائع، متكتما عن الأمر بأن الصّراع يتجاوز شؤوننا الدّولية لكن في الأصح أنّ الصّراع يتجاوز صلاحياتنا في حدود العلاقات المتينة التي تربطنا مع الكيان.

* نقلا عن موقع "الأيام نيوز" الجزائري