من العشوائية إلى التهديد إلى السيطرة| تحولات الإعلام الانقلابي بعد ثورة يناير ( 2014 -2024)

الاثنين - 22 يناير 2024

  • تحول الإعلام من تأييد الانقلاب وتبريره إلى تشويه ثورة يناير ورموزها وتأكيد عدم تكرارها
  • الانقلاب فرض خطابا إعلاميا موحدا وأوقف آثار "حرية التعبير" التي انتشرت عقب الثورة
  • 3 مراحل للتحول الإعلامي: التخبط والعشوائية والتهديد المباشر للإعلاميين  ثم السيطرة
  • عمرو أديب نموذج صارخ للتناقض الإعلامي وخدمة من "يهدد" أو من يشتري الولاء بالمال!
  • "المصري اليوم" مثال واضح على التحول من الحرية الإعلامية إلى دخول "بيت الطاعة"
  • التحكم بالإعلام بقي ضمن أهم أولويات سلطة الانقلاب كأحد أسلحة "تدجين" الرأي العام
  • بسط السيطرة بدأ بإنشاء "الشركة المتحدة" التابعة للمخابرات وشراء معظم الفضائيات
  • الفشل الإعلامي قاد لتغيير شكلي لكنه اصطدم بمشكلات عنيفة  تتعلق بتدهور الاقتصاد
  • حملات الدعاية ضد " الإخوان" فقدت مصداقيتها تماما في تبرير فشل سياسات النظام
  • بكشفها الحقائق.. مواقع التواصل تزعج سلطة الانقلاب وتظهر إفلاس خطابها الإعلامي
  • سياسة التلقين والتوجيه غيّبت الكوادر الصحفية الحقيقية وأفسحت المجال للمنافقين

 

إنسان للإعلام- خاص:

مقدمة

أواخر ديسمبر 2012، وقبل 7 أشهر من انقلاب عبد الفتاح السيسي والمجلس العسكري على الرئيس المنتخب محمد مرسي، انتشر شريط مسرب لاجتماع برئاسة عبد الفتاح السيسي يكشف خطة الجيش للسيطرة على الإعلام، ما أظهر أن التحكم بالإعلام كان ولا يزال ضمن خطة الانقلاب بمصر.

ما جاء في الفيديو المسرب أظهر نية الجيش المبكرة بالانقلاب على الحاكم المنتخب مرسي، عبر استخدام الإعلام كأحد أسلحة تأليب الرأي العام على الرئيس المنتخب، وفسر لاحقا أسباب شن حملات منسقة ضده مهدت للانقلاب.

هذا الخطاب الشهير للسيسي مع عسكريين حينئذ ألقى الأضواء على سعي المؤسسة العسكرية للاختراق الممنهج لوسائل الإعلام، مستخدمة أذرعا منها الصحفيين المرتبطين بالأجهزة الأمنية، ورؤساء تحرير الصحف الذين يدركون أن بقاءهم في مناصبهم يرتبط بإرضاء العسكر والنفاق، والإعلاميين في القنوات المختلفة.

ومع إنجاز المهمة في تشويه الرئيس المنتخب، وتأييد الانقلاب، ذهب الخطاب الإعلامي بعد ذلك إلى تشويه ثورة يناير، وكل من شاركوا فيها، وصولا إلى التحريض عليهم، ثم التحذير من تبعات الثورة، والتأكيد على أنها "لن تتكرر أبدا"!.

ومنذ البداية، فرضت سلطة الانقلاب خطابا إعلاميا موحدا وأوقفت آثار "حرية التعبير والرأي" التي أشاعتها ثورة يناير ، ثم بدأت السيطرة على وسائل الإعلام- أو معظمها- بإنشاء "الشركة المتحدة للخدمات الإعلامية"، التابعة لجهاز المخابرات العامة، والتي اشترت معظم الفضائيات والصحف، ليتحول الخطاب الإعلامي من جهد إبداعي إلى رسالة ملقنة عبر "جهاز سامسونج"، فانتهى الأمر إلى تغييب الكوادر الصحفية والإعلامية الحقيقية وإفساح المجال للمنافقين، أو معدومي الضمير الذين يتم شراؤهم بالمال.

على سبيل المثال، ظل "عمرو أديب" نموذجا صارخا للتقلب الإعلامي، حيث عمل في مرحلة تالية للانقلاب تحت التهديد، فغير لغة خطابه، ثم تحول لاحقا إلى بوق للمملكة العربية السعودية، بعد شرائه بالمال.

وتم إبعاد إعلاميين مثل عمرو الليثي ومني الشاذلي وحين عادا ابتعدا عن السياسة تماما، أيضا تم إبعاد محمود سعد وعاد ببرنامج على الإنترنت عن التراث وتوقف عن الحديث في السياسة بسبب البطش الأمني، كما تم ترحيل المذيعة ليليان داوود إلى خارج مصر، لأن كل هؤلاء لا يعبرون عن الخطاب الإعلامي الانقلابي.

وضمن هذا التحرك جاء وقف برنامج باسم يوسف، في يونيو 2014، بعدما تصور أنه سيظل يهاجم السلطة والسيسي بعد الانقلاب. وقال يوسف بوضوح إنه تم إيقاف البرنامج بسبب "الخوف على السلامة الشخصية له ولعائلته ولمن حوله"، ما يشير لحجم التهديدات التي تلقاها، والتي وصلت لقوله بعد توقف برنامج "البرنامج" إنه قرر عدم الحديث في السياسة مرة أخرى حال تقديمه برامج بعد ذلك، ثم هاجر لأمريكا ولم يعد.

وقد مر  الإعلاميون الانقلابيون خلال العشرة أعوام الأخيرة بثلاث مراحل: مرحلة التخبط والعشوائية التي تلت الانقلاب مباشرة، ثم مرحلة العمل تحت التهديد المباشر والتوجيه وإعادة "البرمجة"، ثم مرحلة السيطرة التامة من قبل جهاز المخابرات والأجهزة الأمنية.

وخلال هذه المراحل الثلاث، انتقل الخطاب الإعلامي من التلفيق والكذب في البداية إلى الدخول في معارك مع الأصوات العالية في الإعلام وترهيبها بدمغها بادعاء أنهم "أعداء الوطن"، أو أنهم يشكلون تهديدا للأمن القومي (وهو أمن النظام)، وصولا لاستخراج ملفات قديمة لمن يرفض التدجين وتهديده بها أو وصمه بأنه "إخوان" للوصول لمرحلة فرض الصمت والترهيب والسيطرة عليه.

لكن لأنه من الصعب استمرار الضرب على نفس الوتر وتبرير الفشل في إدارة الدولة بنفس الإسطوانات الدعائية التي بدأت مع الانقلاب، مثل التحجج بـ " الإخوان" و"الإرهاب" وغير ذلك، فقد بدأ الخطاب الإعلامي الانقلابي يحاول التغيير الشكلي، إلا أنه اصطدم بالعديد من القضايا الداخلية والخارجية، والفضائح، كما اصطدم بمشكلات داخلية عنيفة تتعلق بتدهور أحوال المصريين ومشاكل الديون وانهيار العملة المصرية، وتزايد نسب الفقر والغلاء، وهي قضايا كان نظام الانقلاب يعد المصريين بحلها، ويوحي بأنه جاء ليحنو على الشعب فجوعه وشرده.

التغيير الشكلي تمثل في تدشين فضائية جديدة هي "القاهرة الإخبارية"، لكنها فشلت منذ اليوم الأول لإطلاقها، وظلت حبيسة (التعليمات الأمنية)، حيث ظل الخطاب الإعلامي كما هو.

كما تمثل هذا التغيير الشكلي في محاولة استضافة وجوه جديدة موالية للسلطة، أو معارضة لكن مصالحها متوائمة مع الجهات الحاكمة، خاصة خلال فترة ما سُمي بـ"الحوار الوطني" والاستعداد لانتخابات الرئاسة التي جرت في ديسمبر 2023، فضلا عن عمليات إحلال وتبديل وتنقلات بين المذيعين في البرامج المختلفة، لكنه ظل أيضا تغييرا لا يدخل في الجوهر والمضمون ولا يقدم جديدا.

ولأنه لا يوجد سوى خطاب إعلامي انقلابي واحد فيما يخص شئون مصر، مقابل "خطابات إعلامية متنوعة" كثيرة، سواء عبر مواقع التواصل أو الصحف الأجنبية أو صحف المعارضة في الخارج، وبصورة ما مواقع مستقلة في الداخل، فقد ظل الخطاب الإعلامي الانقلابي، منذ قفز السيسي على منصب الرئاسة في 2014 وحتى الآن، يدور في دوائر مغلقة محاولا إظهار تحولات تقنع المصريين بمتابعته بعدما انصرفوا عنه في ظل عصر الموبايل والإنترنت، محاولا من حين لآخر إظهار أنه يتطور ويتغير، ولكن بلا جدوى حقيقية.

وكان أقصى ما يفعله هذا الإعلام الانقلابي هو تحميل رئيس الوزراء والحكومة المسئولية عن كل فشل، رغم أن الحكومة ورئيسها مجرد مُنفذ لما يأمر به "السيسي".

كما يتم دفع إعلاميين محسوبين على النظام للصدام مع بعض الوزراء وتحميلهم أيضا مسئولية مشكلات تُغضب المصريين؛ بغرض صرف الأنظار في النهاية عن المسئول الفعلي صاحب القرارات العشوائية، وهو السيسي نفسه.

أخيرا، وبعدما كان يركز على "إنجازات" السيسي وخطر "الإخوان"، بدأ بالتزامن مع حرب غزة، يزيد من عملية تخويف المصريين من حرب وهمية مع الكيان الصهيوني، وخطر تهجير الفلسطينيين، ليقول لهم ضمنا وعلنا إن السيسي هو المناسب للتصدي لهذا التهديد القادم لمصر .

هذا التخبط الإعلامي ظل، منذ أغسطس 2013 وحتى الآن، هو سيد الموقف، وكانت النتيجة انصراف معظم الجمهور المصري عن متابعة الإعلام الرسمي، والتحول إلى قنوات المعارضة و وسائل التواصل الاجتماعي، التي تنشر الحقائق و تسبب إزعاجا بالغا للنظام.

ممنوع انتقاد الفساد

عقب انقلاب السيسي، صدرت أوامر للإعلاميين بوقف الهجوم المعتاد على النظام، أو مجرد انتقاده، وبدأت مرحلة جديدة هي دعم النظام الجديد بالحق وبالباطل.

تصدى السيسي بنفسه لذلك، في نوفمبر 2015، حين ظهرت مشكلة غرق مدينة الاسكندرية في موسم الأمطار، وهجوم بعض وسائل الإعلام المصرية بعنف على النظام، فخرج السيسي ليُعنّف الإعلاميين التابعين له قائلا: "إنه أمر لا يليق"، و رد بعض مذيعي الفضائيات بانتقاد السيسي ورغبته في أن يصبح "الزعيم الملهم" الذي لا يقبل النقد، ثم بدأت عملية تصفيتهم أو تدجينهم أو تجنيدهم.

 قبل ذلك، في يناير 2015، شن المذيع عمرو أديب، هجومًا حادًا على السيسي والمسؤولين في الدولة في واقعة غرق محافظة الإسكندرية بمياه الصرف الصحي، قائلًا: "إزاي نوصل للمرحلة دي.. بلد كاملة تغرق، طيب مين المسؤول نحاسب مين؟ إيه الفشل ده؟".

حينها أكد السيسي خلال كلمته في ندوة القوات المسلحة "أنه من غير اللائق أن يتحدث أحد المذيعين قائلًا: "الرئيس ساب إسكندرية بتغرق وقاعد مع مسؤولين من ألمانيا".

وقال موجها حديثه للإعلاميين: "أنتم بتعذبوني إني جيت وقفت هنا (استوليت على الرئاسة)، الناس لا فاهمة ولا عارفة .. قدامها الميكروفون بتتكلم فيه، أو جورنال بتكتب فيه"، زاعما أن "الدولة هتضيع" بسبب تغطيتهم الإعلامية لأزمة أمطار الإسكندرية، التي أسفرت عن مقتل 6 مواطنين غرقًا وصعقًا!!

تابع: "حاجة صعبة أوي، مايصحش نعمل كده في بعض، إحنا بنتجاوز كل حاجة، إنت بتعاقبني إني جيت هنا، المرة الجاية هشكي للشعب المصري منكم"!!

وكان عمرو أديب، أول من هاجم المسئولين وبينهم محافظ الإسكندرية السابق، هاني المسيري، وقال إن المهندس شريف إسماعيل رئيس الوزراء "فاشل" "وحكومته (حكومة السيسي) تعمل في مغارة ولا يعلم عنها أحد شيء ولا نراها ولا نسمعها".

وعقب انتقاد السيسي للإعلاميين لنقدهم له ولحكومته، قال أديب: "إذا أراد الرئيس السيسي، التنويه على مثل هذه الأخطاء الإعلامية، فمن الأفضل أن يدعو الصحفيين والإعلاميين إلى لقاء معه بقصر الاتحادية".

عمرو أديب نموذجا

كانت نقطة التحول في الخطاب الإعلامي لعمرو أديب، وتحوله إلى بوق للسيسي، هي الفترة التي أعقبت تركه قناة "أوربيت" السعودية في يونيو 2016، ثم تعيينه لاحقا في قناة "أون تي في" التي اشترتها المخابرات.

وكان الجدال الذي دار حول دور مرتضي منصور رئيس نادي الزمالك السابق حول وقف عمل "أديب" في "أوربيت" هو سر هذا التحول بعدما هاجمه منصور بشدة بسبب استمراره في انتقاد حكومة السيسي، حيث قدم "منصور" دعوى أمام القضاء بسحب تراخيص قناة "اليوم" التابعة لأوربيت التي يعمل بها أديب، "بسبب المخالفات التي ارتكبتها عمرو أديب".

وقال في فيديو، فبراير 2016، إن برنامج عمرو أديب مخصص "لقلة الأدب"، ورد عليه أديب في مبارزة كلامية طالت القضاء والحديث عن دور مرتضي منصور "أثناء حكم الإخوان"، وانتهى الأمر بمغادرة أديب القناة السعودية.

ولأنه يبدو أشبه بـ "عميد الخطاب الإعلامي الانقلابي"، وأكثر مذيعي الانقلاب نقلا لرسائل السلطة، رغم خروجه عن الخط أحيانا خصوصا في الآونة الأخيرة، بعد احتدام الخلافات والمنافسة بين محمد بن سلمان والسيسي، سوف نتتبع حالة الخطاب التلفزيوني الانقلابي عبر حالة "عمرو أديب" على مدار العقد الماضي في صورة قضايا مختلفة.

أهمية رصد وتحليل خطاب "أديب" الإعلامي أنه كان مواليا للانقلاب منذ اليوم الأول، وهاجم على قناة "أوربيت"، جماعة الإخوان المسلمين بعنف كما هاجم اعتصام رابعة ودافع عن فضه وقتل المعتصمين، وزعم أن الجماعة "تدفع لهم الأموال وتقدم لهم الطعام للبقاء في الشارع".

ظل عمرو  يمارس دوره المعتاد، لكن كان تبادل الشتائم والألفاظ الخارجة بين عمرو أديب وخالد صلاح رئيس تحرير موقع "اليوم السابع" السابق، بسبب حادث العريش، في نوفمبر 2015، مؤشرا واضحا على حالة التخبط بين إعلاميي النظام والحاجة الي توحيد الخطاب الإعلامي الانقلابي.

وبدأت الملاسنة بين القطبين الانقلابيين بمشادة كلامية بعد كتابة خالد صلاح مقال في "اليوم السابع"، ينتقد التقصير الأمني في حادث تفجير فندق العريش، ووضع صورة مبتسمة له على المقال، فانفعل عمرو أديب من أن "خالد صلاح" وجه لوما للجهات الأمنية.

هذه الملاسنة أزعجت السلطة الانقلابية، حيث فتح كل إعلامي للآخر ملفاته ليظهر نفاقه، وخشيت السلطة أن يحترقوا جميعا أمام المصريين وينكشف فسادهم ونفاقهم، ومن ثم حرق أوراق الانقلاب الإعلامية، فحين قال عمرو لخالد أنه سيكشف أوراقه مع خيرت الشاطر نائب المرشد العام لجماعة الإخوان المسلمين، في إشارة لنفاق خالد وإشادته بالإخوان ثم دعمه للانقلاب ما يشير لأنه أحد عملاء العسكر، رد عليه خالد بقوله: "انت كمان عليك بلاوى"، في إشارة أخرى لملفات فساد تتعلق بعمرو أديب وعلاقاته.

وهو ما دفع الجهات الأمنية للتدخل سريعا وإبرام صلح بينهما، ومع هذا كان لافتا قول خالد صلاح لعمرو أديب: "يجب أن يكون خلافنا الخاص بعيدًا عن أعين الناس والفضائيات".

بوق رسمي للانقلاب

ولم يمر شهران على استقالته حتى نشر رجل الأعمال المصري أحمد أبو هشيمة، الذي كان يتولى رئاسة شركة المخابرات (إعلام المصريين) في أغسطس 2016 صورة تجمعه بعمرو أديب، ورجل الأعمال نجيب ساويرس مؤكدا انضمامه لقناة "أون تي في"، ليبدأ تحول عمل أديب كبوق رسمي للخطاب الإعلامي للانقلاب.

ويُعتقد على نطاق واسع أن اختيار أديب ليقود جوقة إعلاميي السلطة والخطاب الإعلامي الانقلابي، وتسريب آراء ومواقف وخطط السلطة عبره، يرجع لاحتراق الأبواق الاعلامية التي كانت تعمل في مصر من إعلاميي النظام وكراهية المصريين لهم، حيث يبدو أسلوب "أديب" في توصيل المعلومة للمصريين مقنعا.

استمر "أديب" في أداء هذا الدور في قناة "أون تي في"، حتى مايو 2018، عقب انتهاء تمثيلية انتخابات الرئاسة الثانية للسيسي،  والتي أدى فيها مهمة تشويه خصوم السيسي، خاصة الفريق سامي عنان وغيره، وتبرير اعتقالهم أو البطش بهم.

خلال تلك الفترة قام أديب أيضا بدوره المرسوم في مهاجمة جماعة الإخوان ومعارضي السيسي والترويج لمشاريع السيسي الوهمية، كما خاض معارك مع قناة الجزيرة بسبب المحتوي الحر الذي يهاجم ضمنا نظام السيسي، إلى أن انتقل عمرو أديب بمرتب خيالي لقناة "أم بي سي مصر" في سبتمبر 2018.(1)

وظل أديب يهاجم الجزيرة كواجهة لدولة قطر، التي كان نظام السيسي على خلاف معها، ثم توقف عن مهاجمتها عقب تصالح السيسي وأمير قطر، ما يؤكد طبيعة دوره في الخطاب الإعلامي الانقلابي.

وكان انتقاله من "أون تي في" إلي "إم بي سي مصر" في البداية ليس له علاقة بتغير في الخطاب الإعلامي الانقلابي، وإنما عدم قدرة فضائيات الانقلاب التي تديرها المخابرات علي تحمل تكاليف هذا الخطاب الانقلابي، حيث ظهرت أزمات مالية وخلافات في قناة "أون تي في"، بسبب إسراف رجل الأعمال "أبو هشيمة"، ممثل المخابرات في شركة "إعلام المصريين" في الإنفاق بشكل مبالغ فيه على استضافة  ثلاثة من نجوم الكرة العالميين بمبالغ مالية ضخمة تعادل قرابة 30 مليون جنيه، هم ميسي، و كريستيانو رونالدو، و نيمار دا سيلفا، في لقاءات مع عمرو أديب، ما أغضب المخابرات ودفع أديب للانتقال إلي "إم بي سي مصر"، ليواصل نفس خطابه الاعلامي الانقلابي ولكن بأموال السعودية، إلا أنه بانتقاله إلى "إم بي سي مصر" أصبح بوقا للسعودية، وظهر هذا بوضوح عندما ظهرت خلافات مصرية سعودية.

خدمات عبر "أون تي في"

بمجرد تولي دوره في قناة المخابرات "أون تي في" عام 2016، بدأ عمرو أديب في تلميع السيسي بصورة واضحة، وانتقاد معارضيه خاصة جماعة الإخوان وتضخيم دوره السياسي الخارجي والداخلي.

بدأ دوره بحملة هجوم شديدة على جماعة الإخوان واتهامها بالإرهاب متسقا مع الخطاب الإعلامي للانقلاب.

وصل به الأمر في محاولة تشويه جماعة الإخوان إلى نشر فاتورة علاج المرشد العام السابق مهدي عاكف، بعدما توفي بمستشفى قصر العيني، وتولت أسرته الإنفاق عليه ليحاول تشويه سيرته وسيرة الإخوان بقوله "إن فاتورة علاجه بتكلفة 88 ألف دولار دفعتها أسرة عاكف، وهو ما يخالف الأعراف والأخلاق الطبية"!.

وعرض "أديب" التقرير الذي كتبه الدكتور نبيل عبد المقصود، مدير مستشفى قصر العيني، ويتضمن تكلفة فاتورة علاج مهدي التي تقدر بمليون و645 ألف جنيه (حوالي 88 ألف دولار)(2)، وهو ما أثار حفيظة د. ليلى سويف والدة الناشط المسجون علاء عبد الفتاح، التي قالت عبر حسابها علي فيس بوك، إن "المعلومات التي نشرت لا تدين الذين تكفلوا بعلاج مهدي عاكف (كما ذهب المذيع أديب) وإنما تدين أجهزة الدولة المفروض أنها كانت تتكفل بنفقات علاجه طالما هو محبوس احتياطيا"(3).

وكان أديب برر في حلقة سابقة عدم العفو الصحي عن مهدى عاكف، بأن الإخوان لم يصدروا قرارا بالعفو الصحي عن الرئيس المخلوع مبارك في سنة حكمهم"!(4).

أيضا شن عمرو أديب هجوما شرسا على المرشحين في انتخابات 2018 ضد السيسي، خاصة أحمد شفيق والفريق سامي عنان، بعدما سبب إعلان الفريق شفيق ترشحه للرئاسة، صدمة وإرباكا في الدوائر العليا، والأذرع الإعلامية للسلطة، التي بادرت بمهاجمة شفيق بعنف، ووصمته بالخيانة وأنه على علاقة بالإخوان.

وألمح عمرو أديب، إلى أن "شفيق عليه قضايا في المحاكم المصرية لم تحسم بعد أنه قد يلقي القبض عليه في المطار رغم رفع اسمه من قوائم ترقب الوصول".

ودعا الإمارات لوضع الفريق أحمد شفيق، في طائرة، وإرساله إلى مصر، بعد تصريحاته التي بثتها قناة الجزيرة يعلن فيها منعه من السفر، رغم معاملة الإمارات الطيبة له.

وحين ترشح الفريق سامي عنان لمنافسة السيسي، تولى إعلام السلطة عملية تشويه صورته وحرقها، وهاجمه عمرو أديب رابطا بينه وبين الإخوان تارة، وبين قوى خارجية تارة أخرى(5).

وحاول عمرو أديب إحراج "عنان" بسؤاله عبر برنامجه:"عايز أعرف لو حكمت هتعمل إيه؟ هتخرج الإخوان من السجون؟ هترجع الإخوان للحياة السياسية من جديد؟"، لافتًا إلى أن عبد الفتاح السيسي موقفه واضح ومعلن من الإخوان!!

أيضا لعب عمرو أديب دور التحريض على مساندي حملة عنان، ما أدى إلى اعتقالهم، خاصة الدكتور حازم حسني، المتحدث باسم حملة الفريق سامي عنان للانتخابات الرئاسية، الذي قال أديب إن "له تأثير في فكر رئيس أركان الجيش المصري الأسبق".

ركز على أن هدف حازم حسني (الأستاذ بجامعة القاهرة) وهشام جنينة (رئيس الجهاز المركزي للمحاسبات السابق) هو تحريض الأجانب والترويج لـ "عنان" على أنه يريد أن تكون مصر دولة مدنية صرفه، وأن يتراجع الجيش تمامًا عن الحياة السياسية والاقتصادية، لينتهي الأمر بالقبض على "عنان" واستبعاده من كشوف الناخبين من قبل الجيش بأمر من السيسي، وادعى عمرو أديب أن "سامي عنان لم تكن لديه فرصة كبيرة أصلا للفوز"(6).

ومع أن الرئيس الامريكي السابق دونالد ترامب، وصف علاقته بالسيسي بأنه "ديكتاتوري المفضل"، ظل أديب يضخم في علاقة السيسي به ويصوره كـ "ند" له، ما دفع مجلة "إيكونومست" البريطانية لانتقاد تضخيم الإعلام المصري للعلاقة بين ترامب والسيسي.

اتهمت إيكونومست، في 30 مارس 2017، الإعلام المصري بتضخيم صورة العلاقة التى تربط بين عبد الفتاح السيسى ودونالد ترامب، وسخرت من قول عمرو أديب إن السيسى هو «النموذج» الذي يسير على خطاه ترامب، مشيرة لزيادة الأخبار الزائفة في الإعلام المصري.

وفي حوار مشبوه، استهدف اقناع المصريين بـ"صفقة القرن"، ذهب عمرو أديب للقاء "جاري كوشنر" زوج ابنه الرئيس الأمريكي وأحد مهندسي صفقة القرن، لإجراء حوار معه من طرف واحد هو كوشنر للترويج للصفقة(7).

وحين نجح الرئيس التركي رجب طيب أردوغان في تنظيم الاستفتاء على تغيير الدستور وترشحه للرئاسة عام 2017، وضمن العداء المصري الرسمي له حينئذ، انتقد عمرو أديب احتمالات بقاء أرودغان رئيسا حتى عام 2029، وانتقد صمت الصحف الأمريكية عن الحديث عن "الديكتاتور أردوغان" وفق قوله، ولكنه اعترف بأن عدم قدرة أي دولة على أن تعادي أردوغان راجع لأنه "مش محتاج حاجة من حد وبياكل وبيشرب نفسه بنفسه ومش محتاج قرض وقوي مش محتاج حد يقربله".

أيضا هاجم عمرو أديب قيادات حركة حماس، خلال توتر العلاقة بينهم وبين نظام السيسي، لكن حين تحسنت العلاقات، سافر لغزة أكتوبر 2017 مع وفد من المخابرات المصرية، وأجرى لقاءات مع قادة الحركة، وتبدل خطابه الإعلامي للترحيب بقادة حماس بعد اتهامهم بالإرهاب لفترة طويلة.

وسخر نشطاء مصريون على مواقع التواصل من هذا التحول، خاصة مع ظهور  صور تجمع بين أديب وزوجته ضمن الإعلاميين المصريين ووفد حماس، متهمين عمرو أديب ولميس الحديدي بالتخابر مع حماس.

وقبل هذه الزيارة لم يتأخر "أديب" في الدعوة لتشديد الحصار على قطاع غزة ووصف حماس بأنها حركة إرهابية.

وسبق أن قال "عمرو أديب" عبر برنامج " القاهرة اليوم " على شبكة "أوربت"، إن الشعب الفلسطيني يجب أن ينتهي مع إعطاء التحية والتعظيم للخواجة الإسرائيلي، موجها حديثه للجانب الإسرائيلي قائلاً: "إنت صح "، مشيرا إلى أن الشعب الفلسطيني يستحق القتل!(8)

وفي نفس الحلقة كفّر "أديب" حركتي فتح وحماس، مؤكدا صحة قرارات الجانب "الإسرائيلي"!(9)

وخلال زيارة وفد من حماس لمصر، أثناء حكم الرئيس محمد مرسى، استنكر "أديب" الزيارة، قائلا جملته الشهيرة: "جايبين حماس ليه معندكمش رجاله ولا إيه؟، متهماً حماس بأنها من فتحت السجون المصرية أثناء أحداث ثورة يناير(10).

وضمن دوره في ترويج الأكاذيب لصالح السيسي بث عمرو أديب، فيديو مسجل خلال برنامجه بفضائية MBC مصر يزعم أنه اعترافات لشاب سوداني وشابين أردنيين لاتهامهم بالمشاركة في إعداد المظاهرات التي اندلعت ضد السيسي سبتمبر 2019.

وتعرض لحرج شديد، حين تبين أنها تسجيلات مزيفة من الأمن وتم إطلاق سراح المتهمين زورا، حيث أطلق مصريون حملة سخرية "إلكترونية" من أديب، لأنه بث لهم اعترافات كاذبة.

"أديب" ومرحلة "إم بي سي"

حينما تعاقد عمرو أديب مع قناة "إم بي سي مصر" السعودية، قال مسئولو القناة إنهم عينوه بأعلى راتب لمذيع عربي، لأنه "أحسن حكاّء يقدم برنامجا"، في إشارة لقدرته على الحكي والتواصل مع الجمهور وتوصيل المطلوب.

ولأنها تبث من مصر، والعلاقة بين نظامي السيسي وبن سلمان متوافقة حول الخطاب الإعلامي العلماني المعادي للإسلاميين والموالي للغرب والتطبيع، ظل أديب هو ممثل الخطاب الإعلامي الانقلابي في مصر، مع فارق الانتقال إلى قناة أكثر انتشارا في مصر.

ظل "أديب"، كقائد لأوركسترا الخطاب الاعلامي الانقلابي مستمرا في قناة "إم بي سي" في ظل توافق نظامي السيسي وبن سلمان، فلما بدأت الخلافات (المالية) والسياسية تدب بينهما بدأ "أديب" يعبر عن خطاب صاحب المال أولا، مع مراعاة صاحب الأرض التي يبث منها خطابه.

وخلال عامي 2022 و2023 بدأ أديب بتناول موضوعات تصب في خانة انتقاد النظام في مصر، ونتيجة لذلك، بدأ بعض الإعلاميين المحسوبين على النظام  يشنون هجوما ضد عمرو أديب، الذي بدأ يتناول موضوعات تغضب النظام، وخصوصا بعد أن علق، في يناير 2023، على خطاب لعبد الفتاح السيسي، مؤكدا أن "الوضع الاقتصادي المصري يثير الكثير من مخاوف الناس على أنفسهم وعلى أبنائهم"، وذلك بعد عدة أسابيع حذر خلالها أديب من خطورة الوضع الاقتصادي في مصر، وأنه مرشح للتدهور بصورة أكبر.

مباشرة، شن المذيع محمد الباز هجوما غير مسبوق عليه واصفا إياه بأنه "عميل سعودي"، يعمل في قناة سعودية ووفقا لأجندة هذا البلد، كما قام إعلاميون آخرون أقل شهرة من الباز بشن هجمات مشابهة عبر شبكة إكس.

وخرج "نشأت الديهي"، والذي يعد أحد أقرب الإعلاميين للسلطة في مصر، لينتقد "أديب" قائلا إنه يعمل في محطة مملوكة للسعودية لكنه لا يجرؤ على انتقاد أي مسؤول سعودي أو أي وضع بالمملكة.

خلاف سياسي وتلاسن إعلامي

وكان من الواضح أن المشاجرة بين إعلاميين مصريين مقربين من السلطة و أديب هي انعكاس للخلاف بين نظامي السيسي وبن سلمان، الذي وقع نتيجة توتر علاقتهما منذ رفض المملكة دفع أموال أخرى للسيسي، وانسحابها من تمويل الإعلام المصري، وإصرارها على استرداد ديونها لدى مصر إما في صورة سيولة (وهي غير موجودة) أو في صورة أصول مصرية مهمة ورابحة.

ففي 29 مايو 2021، أعلنت "الشركة المتحدة للخدمات الإعلامية" أنها تخطط لطرح حصة يتراوح قدرها بين 20 و30% من أسهمها في البورصة المصرية بحلول عام 2024، وجرى الكشف عن نية السلطة إشراك مستثمرين، وتحديدا السعودية لشراء الأسهم.

وفي 30 مايو 2021 وقعت الشركة ومجموعة «MBC»السعودية اتفاق تعاون لإنتاج الأعمال الدرامية الكبرى التي تحتاج الى شركات مختلفة نظرا لتكلفتها الكبيرة.

وهلل "تركي الشيخ" لهذه الاتفاقيات على حسابه في فيسبوك قائلا: "اتفاقيه مهمة بين كيانات عملاقة ولن تكون الأخيرة ان شاء الله ... إيد وحده دايما"(11).

وأثيرت تساؤلات حينئذ عما إذا كانت مصر أحرجت السعودية بطلب دعمها لشركة المخابرات المسئولة عن توجيه الصحف والفضائيات والمسلسلات، عبر نشر هذه الأخبار عن دعم السعودية (12). ، لكن بمرور الوقت، لم تبادر المملكة بأي خطوة للشراء أو تقديم دعم مالي كما توقعت مصر، فغضبت القاهرة.

وتردد حينها أن هناك خلاف بين المخابرات المصرية وتركي الشيخ ممثلا لبن سلمان، لها علاقة بالخلافات المصرية السعودية حول حجم التمويل الذي يريده السيسي من السعودية ورفض الرياض إلا بشروط وبمبالغ أقل.

وانتظرت المخابرات المصرية بدء تنفيذ الشيخ ما تعهد به من دعم لشركة المخابرات، دون جدوى، وفق مصادر إعلامية.

"الجنسية السعودية" وانتقاد مصر

بعد حصوله على الجنسية السعودية، خرج عمرو أديب نسبيا عن الخط الإعلامي الانقلابي وتحول إلى بوق سعودي واضح، لشعوره بحماية السعودية له، وبالتالي زاد من وتيرة الهجوم على حكومة السيسي وانتقاده زيادة الديون وقطع الكهرباء عن المصريين، والمطالبة الدائمة ببيع أصول الدولة.

وظهرت إرهاصات حصوله على الجنسية السعودية و التحول الكبير في موقفه من التعبير عن الخطاب الانقلابي المصري إلى كونه بوقا للسعودية، حين رد على اتهام السيسي الإعلاميين في أكتوبر 2023، بالإساءة لمصر حيث وجه عمرو أديب رسالة للسيسي تقول: "لم نكن نسيء لأحد بل ندافع عن بلدنا"

وقال أديب في رسالة للسيسي: "تريد إعلامًا مميزًا... تريد إعلامًا مساندًا... كنت تحسد جمال عبد الناصر على إعلامه وكان هناك إعلام واحد، وكان هناك صحفي واحد، هو محمد حسنين هيكل"، "ولكن الآن هناك ألف إعلامي على الأقل".

أضاف، مذّكرا السيسي بدوره في دعمه أنه جاب العالم لمنع حجب المساعدات عن مصر ومحاربة الإرهاب وختم: "لا لم نُسئ لأحد... بالمناسبة لغاية اليوم، بالمناسبة نفس الجهات، تظهر في الليل (وتهاجمنا)، حضرتك على علم والناس على علم إنني لم أتحدث يوما ما عن دوري وما أفعله لكن حضرتك على دراية بما كنا نفعله"(13)

وفي 28 يوليو 2023، قال على فضائية "ام بي سي مصر"، إن إجراءات الحكومة المتخذة بشأن مواجهة أزمة انقطاع الكهرباء ليست مرضية للمواطن، وتساءل: "إيه المجهود اللي عملته الحكومة في مواجهة أزمة الكهرباء؟"

"المصري اليوم" و إعلام "السامسونج"

يوم 25 فبراير 2019، كشف موقع "المنصة"، لأول مرة "كيف تدير الدولة أذرعها الإعلامية بقوائم الواتساب والإيميل؟"، عبر تعميمات تصل من جهة أمنية استخبارية إلى قنوات مجموعة إعلام المصريين، المملوكة لشركة "إيجل كابيتال" التابعة للمخابرات العامة المصرية (أصبحت مملوكة للشركة المتحدة للإعلام حاليا).

نقل الموقع عن مصادر داخل القنوات كيف تصلهم قوائم (عبر واتس أب وإيميلات) بمن يتحدث ومن يجري استبعاده من الحديث داخل القنوات.

ويوم 19 يونية 2019 عرف المصريون لأول مرة قصة جهاز سامسونج الذي يرسل منه ضابط المخابرات المسئول عن الإعلام رسائل "واتس أب" للصحفيين ومذيعي الفضائيات.

في هذا اليوم ظهرت مذيعة فضائية إكسترا نيوز (خاصة مقربة من السلطات) تقرأ تصريحات معممة نقلا عن "مصدر طبي مسؤول"، لتبرير وفاة الرئيس مرسي طبيعيا.

في نهاية الخبر قرأت عبارة مذيله في التعليمات المرسلة لها تنص على: "تم الإرسال من جهاز سامسونج"، لتكشف بنفسها أن التعميم وصل لهم من ضابط المخابرات عبر جهاز موبايله ماركة سامسونج، قبل أن تتوقف للحظات مندهشة وتحاول تدارك الموقف واستكمال النشرة الإخبارية!. (14)

بعد ذلك، كتب "مفيد فوزي" بجريدة "المصري اليوم"، 23 يونيو 2019، تحت عنوان "شيء من الخوف"، ينتقد سيطرة الأجهزة الاستخباراتية على الإعلام في زمنٍ أكثر شمولية وقمعية من عهد عبد الناصر.

"فوزي" كشف سيطرة المخابرات على الإعلام بقوله: "دور الأجهزة السيادية هو حماية الوطن داخليا وخارجيا، وليس تولي ملف مثل الإعلام.

أضاف معلقا بسخرية على واقعة مذيعة قناة إكسترا نيوز، و"تم الإرسال من جهاز سامسونج": إن "إرسال الأخبار والبيانات من المصادر كان يجرى بواسطة الفاكس، والآن عبر تطبيق واتساب".

كانت الفضيحة التالية هي نشر جريدة الدستور ، يوم 19 يوليه 2020، خبرا يقول: "كل التمنيات بالشفاء العاجل لأمير الكويت الشيخ كذا وشوف اسمه يا حبيبي"!؟.

ففضحت بذلك تعليمات جهاز سامسونج والجهة السيادية التي تملي الأخبار على الصحفيين والمذيعين للمرة الثانية، في خبر مرض أمير الكويت الراحل، لحد عدم معرفة المقدم شعبان اسم أمير الكويت ومطالبة المحررين بالبحث عنه فكتبوا ما جاء لهم بالنص دون بحث!!.(15)

وبعدما أصبح دور ضابط المخابرات معروفا، كشفت الناشطتان في حركة تمرد سابقا، غادة نجيب، دعاء خليفة، اسمه وقالا إنه العقيد أحمد شعبان بالمخابرات المقرب من اللواء "عباس كامل".

"غادة" و"دعاء" تحدثا في مقاطع مصورة عن أدوار "شعبان" في تحريك الصحف والإعلاميين، ووصفوه بأنه "المدير التنفيذي لمصر" (16)

كان من الممكن ألا تقلق الوقائع السابقة عن دور ونفوذ الضابط شعبان والمخابرات في تسيير الإعلام، من الجهات الرسمية، باعتبارها صادره من معارضين في الخارج، لكن جاء توثيق أستاذ كلية الإعلام أيمن منصور ندا لها وحديثه عن "إله الإعلام" ليكشف الغطاء بالكامل.

"في المجال الإعلامي.. أحمد شعبان لا شريك له.. أحد أحد .. يعز من يشاء، ويذل من يشاء.. يهب الملك والنفوذ لمن يشاء، وينزعه ممن يشاء.. وهو على كل شيء قدير!.. بأوامره تدار المنظومة الإعلامية".

هكذا وصفه د. أيمن ندا في مقاله " رسالة مفتوحة إلى رئيس تحرير مصر " وتحدث عن سطوته على الإعلام وكيف أن "كل العاملين في المجال ينفذون حرفياً تعليماته.. لا أحد يخرج عن سلطانه ونفوذه، حتى ياسر رزق".

وصفه بأنه "يمسك بكل الخيوط ويحرك كل العرائس"، وكرر قول المعارضين في الخارج بأنه "الرئيس التنفيذي لمصر" في المجال الإعلامي، و"أقوى رجل في المنظومة الإعلامية والسياسية في مصر".

ولكن انتهى به الأمر لحذف ما كتبه، والاعتذار في المقال السابع لشعبان والجيش، ثم عاد ليهاجم بضراوة أكبر في مقاله الثامن ويصف إعلام السلطة بأنه "إعلام البغال" ثم تم اعتقاله وسجن وحذف كل ما كتبه على حسابه على فيس بوك وخرج من السجن صامتا ما يدلل على نفوذ أحمد شعبان.

خطورة مقالات الدكتور ندا، التي انتهت به للمحاكمة والسجن والفصل من كليته، أنها كشفت للرأي العام لأول مرة اسم ودور المسئول عن تسيير إعلام السلطة في مصر، والسخرية منه بصفته "رئيس تحرير مصر"، وقوله له: " اسألك الرحيلا".

ووصف "ندا" إعلام السلطة بأنه إعلام مطية "يركبه" –مثل البغال –من يملك المال أو من يتولى الحكم أو هما معاً، ولا عزاء للمواطنين"، وسخريته من "المخرج" الذي يوجه هؤلاء الإعلاميين "العرائس" على المسرح الإعلامي، أغضبت ضابط المخابرات (17).

ولأنه لم يجد صدى لنصائحه اللاذعة لـ "رئيس تحرير مصر"، وعلى العكس فُصل من عمله، فقد وجه أستاذ الإعلام رسالته التاسعة والأخيرة للسيسي نفسه، شاكيا من "الكراكيب الإعلامية"، ومقدما رؤيته لحل أزمة إعلام السلطة، لكن تم حبسه.

تغيير الخط التحريري بقوة السلاح

كانت صحيفة "المصري اليوم" التي يملكها رجل الأعمال صلاح دياب مثال واضح على هذا التحول في الخطاب الإعلامي الانقلابي من الحرية النسبية في تناول الموضوعات إلى الدخول في بيت طاعة ما يسمي "جهاز سامسونج" وهي إشارة ساخرة لمن يدير الإعلام من داخل أجهزة المخابرات الحربية.

كان خط صحيفة المصري اليوم مزعجا للانقلاب منذ وصول السيسي للسلطة على متن دبابة لذا تمت محاولة تدجين الصحيفة عبر مالكها، فتم اعتقاله مرتين لإجباره على الخضوع وتغيير خط تحرير الصحيفة ليواكب " رسائل سامسونج" أو لبيع الصحيفة.

و فرضت السلطة اسم الصحفي المقرب من الأمن، حمدي رزق، رئيسا لتحرير الصحيفة عام 2018، كما تم إسناد مسؤولية "مراجعة" مقالات الرأي في المصري اليوم لرئيس تحرير موقع "مبتدأ" التابع للمخابرا، هاني لبيب، لمنع أي مقالات ناقدة.

وجاءت هذه التطورات بعد إقالة مجلس إدارة المصري اليوم لرئيس تحريرها، محمد السيد صالح، في 8 أبريل/نيسان 2018، بضغوط حكومية، وتغريم الصحيفة 150 ألف جنيه، بسبب انتقادها لمسؤولين حكوميين خلال تغطيتها للانتخابات الرئاسية 2018، وفق لوكالة "رويترز".

نشرت الصحيفة آنذاك عنوانًا رئيسيًا في صفحتها الأولى يقول "الدولة تحشد الناخبين في آخر أيام الانتخابات"، في إطار تغطيتها للانتخابات التي فاز فيها عبد الفتاح السيسي بولاية ثانية أمام مرشح وحيد مؤيد له (كومبارس)، ما أغضب السلطة.

ولم يكتف المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام حينها بالغرامة المفروضة وإقالة صالح، بل طالب الجريدة بنشر اعتذار للهيئة العامة للانتخابات، قبل أن يشغل حمدي رزق منصب رئيس التحرير لشهور معدودة لفرض التوجه الحكومي عليها.

وفي سبتمبر/أيلول 2018، تم تعيين عبد اللطيف المناوي، كوجه حكومي سابق ليتولى رئاسة التحرير واستمر حتى سبتمبر 2023، وقد تردد حينها أن السلطة تريد فرض اسم رئيس قطاع الإنتاج الوثائقي بالمتحدة الصحفي أحمد الدريني ليحل محل المناوي، لكن انتهى الأمر بتعيين أحد أبناء الجريدة القدامى وهو علاء الغطريفي.

أيضا تم تعيين الصحفي محمود الكردوسي، المقرب من الأمن، مساعدا لرئيس التحرير ومشرفا من قبل الجهات الأمنية على الصحيفة عقب الانقلاب.

وعينه السيسي أيضا عضوا في مجلس الشيوخ، كنوع من المكافأة بعدما ظهرت بصماته واضحة في تحويل دفة الصحيفة من الخطاب التحريري المتوازن قبل الانقلاب إلى الخطاب الإعلامي الانقلابي الواضح.

وقد أثّرت هذه التدخلات الحكومية المقصودة في الخط التحريري للصحيفة التي باتت تنشر مثل بقية صحف السلطة نفس الأخبار المناهضة للمعارضين خاصة جماعة الإخوان والمطبلة للسيسي واختفى تميزها التحريري المستقل السابق.

ظهر هذا خلال تغطيتها انتخابات 2018 كمثال فرغم البطش بكل المنافسين للسيسي وأبرزهم سامي عنان ونزول كومبارس أمام السيسي، ظلت عناوين الجريدة تبين خضوعها للخطاب الإعلامي الانقلابي حرفيا مثل نشر عناوين من قبيل "السيسي يكتسح انتخابات الرئاسة"، و"تقرير أمريكي عن انتخابات مصر 2018: سلسة وانسيابية وبإشراف مميز من الجهاز القضائي".

كما انتشرت المقالات والأخبار التي تهاجم جماعة الإخوان في الصحيفة بصورة فجة ونشر أخبار وزارة الداخلية عن ضبط "إرهابيين" من الإخوان.

ولا يعني هذا أن "المصري اليوم" كانت مؤيدة للإخوان أو محايدة تجاههم، بل ظل خطها التحريري ضد جماعة الإخوان ولعبت دورا في عمليات تشويه الرئيس مرسي والإخوان توطئة وتمهيدا لانقلاب السيسي.

وعقب انقلاب السيسي شاركت في الحملة ضد جماعة الإخوان عبر نشر تقارير مفبركة مسربة لها من الجهات الأمنية من بينها ما أسمته "وثائق تكشف مخططات الإخوان لتنفيذ  وكان ملفتا أنه من بين ما قالت «المصري اليوم» أنها توثق لأحداث الإخوان في 373 مانشيت و1000 فيديو، وقد استعان المسلسل الدعائي للسيسي والمخابرات «الاختيار 3» بـ 16 منها!

خلاصات:

- الخلاصة الأولى مما سبق أن تحولات الإعلام الانقلابي خلال العشرية الأخيرة، ارتبطت بالتمهيد للانقلاب وتبريره وإسناده، والهجوم الضاري على الإخوان المسلمين، وبصورة أقل على المعارضة، ثم التحول إلى الهجوم على ثورة يناير بقوة طول الوقت.

- ويمكن القول إن الخطاب الإعلامي الانقلابي في الفترة ما بين 2014 و2023 مر بثلاثة مراحل:

(الأولى) مرحلة التخبط والعشوائية عقب الانقلاب مباشرة، وكانت ممثلة في محاولة فرض خطاب إعلامي بديل على وسائل الإعلام، التي كانت قد شهدت انفتاحا كبيرا عقب ثورة يناير وخلال حكم الرئيس مرسي، لذلك كانت هذه المحاولات للسيطرة بلا جدوى كبيرة.

(الثانية) بدأت عقب تولي السيسي الرئاسة ودخوله في مرحلة تهديد للصحف ورؤساء التحرير بشكل مباشر بدعاوى أنهم يريدون هدم الدولة، ثم القيام بعملية تضييق على إعلاميين وصحفيين باعتقالات وسياسات تخويف انتهت بإبعاد بعضهم عن الميكروفون أو الصحيفة التي يكتبون فيها.

(الثالثة): كانت اكتمال خطة السيسي للسيطرة على الخطاب الإعلامي، عبر شراء الصحف والفضائيات أو السيطرة الأمنية عليها، وتعيين ما سُمي "رئيس تحرير مصر" أي ضابط المخابرات المشرف على توجيه الإعلام، ومن ثم انتهاء حرية الصحافة والإعلام تماما.

وخلال هذه المراحل الثلاث، انتقل الخطاب الإعلامي من التلفيق والكذب في البداية إلى الدخول في معارك مع الأصوات العالية في الإعلام وترهيبها بدمغها بادعاء أنهم "أعداء الوطن"، أو أنهم يشكلون تهديدا للأمن القومي (وهو أمن النظام)، وصولا لاستخراج ملفات قديمة لمن يرفض التدجين وتهديده بها، أو وصفه بأنه "إخوان" لفرض الصمت والترهيب عليه.

- لكن بسبب كثرة أخطاء نظام السيسي، وفشله في تحقيق أي إنجازات حقيقية وتحويله مصر إلى "كوريا شمالية" أخرى، بدأ الخطاب الإعلامي الانقلابي يميل إلى الصمت، بسبب كثرة الفضائح والمشاكل والتحديات وعدم وجود ما يرد به على ما يجري بثه من حقائق بشأن الفشل والفساد عبر مواقع التواصل والصحف الأجنبية وتكبيل الإعلام الرسمي.

وأظهرت سياسة الصمت والتعتيم هذه كيف نسف الانقلابيون الإعلام الرسمي واشتروا الإعلام الخاص لمنع وصول الحقائق إلى الشعب المصري، وكيف تحول هذا الشعب لمتابعة الحقائق من الخارج ومواقع السوشيال ميديا وفضائيات المعارضة بالخارج، وخير دليل على ذلك حوادث كبيرة مثل قتل جندي مصري 3 جنود صهاينة في سيناء، وفضيحة قضية طائرة الذهب في زامبيا.

- وقد حاول الخطاب الإعلامي الانقلابي إحداث نوع من "التغيير" في السنوات الأخيرة مع تدهور الأوضاع، لمواجهة تصاعد الهجمات على السلطة الانقلابية وفضائحها، مثل تدشين قناة فضائية جديدة، على غرار "الجزيرة" القطرية و"العربية" السعودية، هي "القاهرة الإخبارية"، إلا أنها أثبتت هذه القناة فشلها بوضوح في جذب المصريين.

- يلاحظ أيضا أن الخطاب الإعلامي الانقلابي بعدما كان يركز على "إنجازات" السيسي وخطر "الإخوان" بدأ بالتزامن مع حرب غزة، يزيد من عملية تخويف المصريين من حرب وهمية مع الكيان الصهيوني، وخطر تهجير الفلسطينيين، ليقول لهم ضمنا وعلنا إن السيسي هو المناسب للتصدي لهذا التهديد القادم لمصر .

- بسبب سياسة التلقين عبر موبايل "سامسونج" لإعلاميي السلطة، غابت الكوادر الصحفية والإعلامية والكفاءات وبات "الاختيار وفق الولاء والعطاء وفق المال" الذي تدفعه السلطة لهؤلاء الموالين لها والعاملين في دولاب خطابها الإعلامي.

- وبتغييب السلطة للكوادر  الإعلامية الحقيقية، ظهر تهافت الخطاب الإعلامي الانقلابي تدريجيا، حتى بات مجالا للسخرية على مواقع التواصل وفي الإعلام الأجنبي، وذلك مقابل تطور الخطاب الإعلامي المعارض للانقلاب خارج مصر وتفوقه، الذي انعكس على متابعة المصريين له علنا دون خوف في المقاهي بعدما كان ذلك مثار خوف وقلق خشية الاعتقالات، لذا لابد من رعاية هذا الإعلام الخارجي وتطويره.

- أيضا انزعج النظام من انتشار  مواقع التواصل الاجتماعي، التي حلت محل الصحف، وأظهرت إفلاس خطابه الإعلامي، وكشفت للشعب المصري الحقائق وزادت من حجم الوعي ومن ثم السخط والغضب على النظام، لذا فهي تجربة ناجحة تحتاج إلى توسيعها وتطويرها.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

مصادر الدراسة:

(1) تغريدة ياسر أبو هلاله، "عمرو أديب يشتمني، هذه وظيفت"، https://2u.pw/xLqMpMM

(2) عمرو أديب، كل يوم - حوار حول مرشد الاخوان السابق محمد مهدى عاكف .. مع ثروت الخرباوي، https://2u.pw/rtzPOIC

(3)  جمال صيام ، فيسبوك، https://2u.pw/f4Ifrpz

(4) عمرو أديب، كل يوم - عمرو أديب: الجزيرة عاملة مناحة انهاردة بسبب وفاة مهدي عاكف زي ما يكون هو الأمير بتاعهم،  https://youtu.be/4SJb1K7G56k

(5) عمرو أديب، كل يوم - الثلاثاء 23 يناير 2018 .. الجزء الأول،  https://2u.pw/PDvLBxi

(6) عمرو أديب، كل يوم - رؤية عمرو أديب لتواجد حازم حسني في حملة سامي عنان، https://youtu.be/bc3IRBi22wc

(7) "الحكاية"، كوشنر: السيسي قال لي لن تتمكنوا من حل المشكلة حتى تعطوا الفلسطينيون ما يستحقونه وهو دولة فلسطينية  https://youtu.be/Nl6uN7DfvNo

(8) "قناة اليوم"،  لمنافق عمرو أديب .. قبل وبعد 25 يناير .. اهل غزة يستحقون الابادة والخواجة الإسرائيلي سلام يا عم،  https://2u.pw/G3tiqtZ

(9) "قناة اليوم"، عمرو أديب: فتح وحماس كفرة وسلامي لإسرائيل،  https://2u.pw/OIbVlMT

(10) https://www.youtube.com/watch?v=HSyhZJZx6rg

(11) تركي آل الشيخ، اتفاقيه مهمه بين كيانات عملاقه ولن تكون الاخيره ان شاءالله ... ايد وحده دايماً،  https://2u.pw/uhxatC6

(12) https://2u.pw/WCL4vRx

(13) "الحكاية"، عمرو أديب للرئيس السيسي: إحنا ماكناش بنسيء لدول أو لحد احنا كنا بنرد الإساءة لبلدنا، https://2u.pw/KUsyfDs

(14) قناة إكسترا، تم الارسال من جهاز سامسونج، https://2u.pw/raDCW8e

(15) حساب باسم "فؤادة" على تويتر، الشيخ كذا وشوف اسمه يا حبيبي.. زي بالظبط ... مرسل من جهاز سامسونج، https://2u.pw/1hBQKDM

(16) "الجزيرة مباشر"، عضو بحركة تمرد تتهم مسؤولا في مكتب السيسي بابتزازها، https://2u.pw/SlLQ4tj

(17) https://2u.pw/TOK3nWO

(18) "بى بى سى عربي"، تحديات المشهد الإعلامي في مصر بعد 30 يونيو، https://2u.pw/Xgpfn2Q

 (19) "مونت كارلو الدولية"، مشاجرات إعلامية في مصر تثير التساؤلات عن وضع العلاقات بين القاهرة والرياض، https://2u.pw/fJoW8AT

 (20) "جريدة المال"، توقيع مذكرتي تفاهم بين المتحدة للخدمات الإعلامية و«العربية للإعلانات الخارجية» ومجموعة «MBC»، https://2u.pw/yFoCS0t

 (21) "صحيفة الاستقلال"، أزمة مكتومة.. لماذا تراجع تركي آل الشيخ عن دعم شركة إعلام مخابرات السيسي؟،  https://2u.pw/CRy9yEf

 (22) "المنصة"، المصري اليوم تحت جناح "المتحدة".. والشركة: لا نسعى للاحتكار، https://manassa.news/stories/13251