حتى لا ننسى| عصر مبارك.. حلقة سوداء فى سلسلة حكم العسكر

السبت - 29 يونيو 2024

  • مبارك منع أى محاولة للإصلاح طوال 30 عاما وأمعن في تعطيل الحياة السياسية وإغلاقها
  • أهدر الدور الإقليمي لمصر وتآمر على السودان وأضاع قضية فلسطين وعذب أبطال غزة
  • "بوب وودوارد": مبارك كان لعبة المخابرات الأمريكية و"إسرائيلى أكثر من الإسرائيليين أنفسهم"
  • اعتبره الكيان "صهيونيًّا مخلصًا" و"أفضل حليف" و"كنزًا إستراتيجيًّا" قدم لبلادهم خدمات جليلة
  • ما بين 1993و2006 قتُل 750 مواطنًا تحت التعذيب داخل السجون وفي مقار أمن الدولة
  • قانون الطوارئ مكّن مبارك ونظامه من مصادرة الحريات وتجاهل الدستور والانحراف بالقضاء
  • اعتمد نظام مبارك على جيوش "البلطجية" لإرهاب الخصوم السياسيين وخاصة الإخوان المسلمين
  • برنامج الخصخصة كان صورة واضحة للفساد وباع النظام شركات عامة منتجة بأبخس الأثمان

 

إنسان للإعلام- من  تليفزيون "وطن":

ذهب حسني مبارك ولكن لم يذهب نظامه البئيس، فبعد أن خلّف مبارك آثارًا  كارثية، وجرائم تفوق العدّ، يدفع ثمنها الآن شعب مصر الصبور، رحل هذا المستبد مكرّسا التبعية والفساد، وقزّم "المحروسة"، وفرّط فى أمنها القومى، وباع أصولها بأبخس الأثمان.

ومع حلول ذكرى 30 يونيو من كل عام، يوظف الإعلام المصري مساحات كبيرة؛ لتمجيد خيانة الجيش والمخابرات وقوى الأمن لثورة يناير والانقلاب على مكتسباتها، وأهمها أن الشعب تمكن من اختيار من يحكمه لأول مرة في تاريخه، وتمتع بحرية غير مسبوقة، متجاهلا جرائم مبارك، الذي أوصل مصر بعد ربع قرن من حكمه (في عام 2006)، إلى أن تكون في المرتبة (31) لأسوأ (148) دولة فى العالم، وفقا لتقييم مجلة (فورين بوليسى) وقتها، والتى تصدر عن معهد كارنيجي للسلام الدولى.

واستند تقييم المجلة إلى مؤشرات عدة منها: معاناة الجماهير، التراجع الاقتصادى، تفكك عرى الدولة، تراجع الخدمات العامة، انقسام النخب، التدخل الخارجى.

وأد أي مبادرة إصلاحية

لقد قام نظام مبارك بوأد أى فكرة داعية للإصلاح، ولو كان المقابل تعطيل أحكام القضاء، وتعذيب المعارضين، وقتل الأبرياء، ومخالفة القانون، وقد صم الآذان عن النصح.. سرق مبارك إرادة شعبه، وسلب حقه فى النقد والاعتراض، وغض الطرف عن جرائم تهدد الوطن، وكان على استعداد لارتكاب أى جريمة كى يظل رئيسًا لمصر.

وقد أفرزت هذه الحالة السياسية المفلسة تغيرا اجتماعيًّا مفرغًا، ناقمًا على الأوضاع العامة، مستعدًّا عمل أي شئ للخروج من تلك الأزمات الطاحنة. ويكفي أن نذكر في هذا السياق أن مبارك رحل وهناك (17) ألف مصرى يخدمون داخل الجيش الإسرائيلى، كما تتحدث الأرقام عن (22) ألف آخرين حصلوا على الجنسية الإسرائيلية بعد الزواج من يهوديات.

الانبطاح التام للأمريكان

وتحت حكم مبارك، عاشت مصر خاضعة للسياسات الأمريكية، فلم يستطع المخلوع أن يقضى أمرًا واحدًا دون الرجوع إلى البيت الأبيض، أما طلبات الأمريكان فهى مجابة على الدوام، دون النظر: هل تضر بمصالح مصر أم لا؟

وقد وصف الكاتب الأمريكى (بوب وودوارد) مبارك بأنه: (لعبة المخابرات الأمريكية)، و(إسرائيلى أكثر من الإسرائيليين أنفسهم)، وقال فى كتابه الشهير "الحجاب: الحرب السرية للمخابرات المركزية الأمريكية": إن الأمريكان جعلوا مبارك يشعر دائمًا بأنه مدين لهم، وقد ترجموا ذلك فى طلب خدمات منه تركزت على مساندة إسرائيل والتفانى فى خدمتها.

عميل محبب للصهاينة

نشرت وسائل الإعلام الصهيونية (فى شهر مايو 2011) تقريرًا كشف حالة الحداد التى تعيشها "إسرائيل" على خلع مبارك، الذى اعتبره الإسرائيليون (صهيونيًّا مخلصًا) و(أفضل حليف)، قدم لبلادهم خدمات جليلة، وكان (صمَّام أمان) لهم خلال سنوات حكمه الطويلة، و(كنزًا إستراتيجيًّا)، على حد وصف "بنيامين إليعازر"، صديق مبارك الشخصى.

 ولهذا حرصت "إسرائيل" على بقائه لآخر لحظة، لدرجة أنها عرضت عليه اللجوء السياسى، وجنّدت سفراءها فى الدول العشر الأهم فى العالم -أثناء أحداث الثورة- للضغط من أجل بقائه، وتأكيد أن رحيله سوف يهدد الاستقرار فى الشرق الأوسط.

لذلك؛ لثلاثة عقود، شرعت إسرائيل فى التخريب وشن الحروب والاعتداءات على جبهات عربية عدة، دون أن تخشى رد فعل من جانب مصر، حصل هذا أربع مرات فى لبنان: اجتياح عام 1982، وعملية الحساب والعقاب عام 1993، وعملية عناقيد الغضب عام 1996، وحرب يوليو/تموز صيف عام 2006، غير ثلاث مرات فى فلسطين: قمع الانتفاضة الأولى عام 1987، عدوان السور الواقى عام 2003، عدوان الرصاص المصهور على غزة أواخر عام 2008 وأوائل عام 2009.

أدمن إرهاب شعبه

تشير تقارير حقوق الإنسان فى السنوات العشر الأخيرة من عمر النظام، إلى ارتكابه انتهاكات جسيمة ضد مواطنيه، بدءًا من فرض قانون الطوارئ الذى كبَّل الحريات وأعطى الفرصة للسلطات الأمنية للتنكيل بهم، وانتهاءً بالمحاكمات العسكرية التى تفتقد جميع الضمانات الدستورية والدولية للمحاكمات العادلة.

ومع توسّع أجهزة الأمن فى عمليات الاعتقال، وقلة عمليات الإفراج ازدادت أعداد المعتقلين داخل السجون المصرية حتى تخطت -فى بعض السنوات- الثلاثين ألف معتقل عُرفوا باسم: (سجناء بلا محاكمة)، تعرض نصفهم للاعتقال المتكرر، وقد مُنعوا الشكوى، فلم يسمع أحدٌ عنهم شيئًا حتى أعضاء النيابة والقضاء الذين حظر عليهم دخول السجون ومقار أمن الدولة.

ورصدت المنظمات العاملة فى مجال حقوق الإنسان انتهاكات صارخة فى حق هؤلاء المعتقلين، وصلت إلى حد قيام السلطات بقتل المئات تحت التعذيب، بل قيام الأجهزة الأمنية بتصفية العشرات من أعضاء الجماعات الإسلامية تحت دعاوى كاذبة؛ ففى خلال ثلاثة عشر عامًا (1993- 2006) قتُل تحت التعذيب (750) مواطنًا داخل السجون وفى مقار أمن الدولة، وفى عام 1996م وحده أكدت المنظمة المصرية لحقوق الإنسان مقتل 34 من عناصر الجماعات الإسلامية على أيدى قوات الأمن؛ ما يطلق عليه (الإعدام خارج القانون).

وفى ندوة عقدتها مجموعة من المراكز الحقوقية، بمدينة الإسكندرية، بعد ثورة يناير، روى عدد من الضحايا قصصهم المفجعة مع التعذيب داخل السجون وفى أماكن الاحتجاز. قال مجدى زكى، أحد الضحايا: "أقسم بالله العظيم إننى لم أذق خلال الـ17 عامًا التى قضيتها فى المعتقل سوى الأصناف الثلاثة: الفول، والأرز، والخبز، وكان السجان يأتى إلينا بالطعام ويضعه على الأرض دون أطباق". ويستطرد زكى: "كان رئيس المباحث، أشرف إسماعيل، يقول لنا: ده لو الواحد حبس حمار كان مات، فرد عليه أحد المعتقلين: إحنا معانا كتاب ربنا، فقام بجمع جميع المصاحف من كل الزنازين وأحرقها أمام أعيننا ونحن مكبلو الأيدى والأرجل".

تابع: "كنا قرابة 100 معتقل فى التأديب، فكان يجمعنا ويقول لنا: طوفوا حول هذه الشجرة وقولوا لبيك اللهم لبيك، وكان يأتى بصورة حسنى مبارك ويقول لنا: اسجدوا تحتها، فاعترض أحدنا فقتله، فسجد الباقون وقلوبهم تتقطع حزنًا وألمًا، وهذا الضابط نفسه قام مبارك بمنحه وسام شرف فى أحد أعياد الشرطة"!!.(1)

ثلاثون عامًا طوارئ

وصفت منظمة "هيومان ريتس ووتش" النظام المصرى المخلوع، بأنه نظام إرهابى؛ حيث اعتبرت تمسكه بالطوارئ، على مدى حكمه، تجاهلًا للقانون، وانتهاكًا صارخًا لحقوق الإنسان؛ حيث يمنح السلطات إدانة الأشخاص من دون محاكمات، ويمنع حرية الرأى، ويفرض الرقابة على الصحف والاتصالات الشخصية.

وما كان لنظام مبارك أن يستمر إلا فى حماية هذا القانون اللعين، فكان منطقيًّا أن يجدده لفترات، على الرغم من أنه لا توجد الدوافع التى تقتضى إقراره. لقد خولت له أحكام الطوارئ أن يفعل ما يشاء، وأن يدير ما يريد من سلطات، حتى إغلاق المحلات، وتعطيل الصحف ومنع الاجتماعات، وأعطاه القانون الحق فى إحالة من يريد إلى المحاكم العسكرية؛ إذ فى الفترة ما بين عامى: 1992 - 2002، قدم 1117 مدنيًّا إلى القضاء العسكرى، تم إعدام 85 منهم.. وهو الرقم الأكبر وقتها فى تاريخ مصر.

شُرطة قمعية فاسدة

أكثر من (800) شهيد، وما يزيد على (6000) مصاب وجريح، هم آخر ضحايا جهاز شرطة مبارك، أثناء أحداث ثورة يناير 2011، بعدما أصدر المخلوع أوامره بالتصدى للثوار، فكان هذا الرقم الذى يسجل الخزى والعار لهذا الزعيم، ويسجل -فى المقابل- العز والفخار لمن ارتقوا ولمن جُرحوا وأصيبوا فى سبيل الله والوطن. (2)

وقد حرص المخلوع أن يكون هذا الجهاز مستنقعًا للفساد؛ ليسهل السيطرة عليه؛ فوزير الداخلية ومديرو وضباط مكافحة المخدرات تُصرف لهم رواتب مجزية من تجار المخدرات، وأفراد الشرطة يشترون لوازمهم واحتياجاتهم دون دفع ثمنها، وكل سائح يدخل المحروسة يدفع 20 دولارًا إتاوة لضباط الجوازات، وصار لزامًا أن (تدفع) لكى تكتب محضرًا فى قسم أو مركز الشرطة، وضباط الشرطة بالأقسام يستولون على أموال ومتعلقات المحتجزين، ويسرقون نصف أحراز ومضبوطات القضايا لاسيما قضايا المخدرات. ولا عجب أن صار ثمن القبول فى كلية الشرطة حينها (من 80 ألفا إلى 100 ألف جنيه.

 جيش من البلطجية

ذهب المخلوع -غير مأسوف عليه- بعدما حوّل مصر إلى دولة للبلطجية، وقد شاهد المصريون جميعًا هؤلاء المجرمين أمام لجان الانتخابات يرهبون خصوم النظام من الإخوان المسلمين وغيرهم، ورأوهم بعد الثورة حتى قيام انقلاب 3 يوليو يتولون مهمة العنف ضد المواطنين، ويقومون بالحرق والتخريب منعًا للإصلاح.

تحدثت الإحصائيات الرسمية عن وجود 92 ألفًا و680 بلطجيًّا ومسجلًا خطرًا، هم فقط الذين لهم ملفات لدى وزارة الداخلية، أما الواقع فيتحدث عن أضعاف هؤلاء من غير المسجلين بالوزارة، وهؤلاء وأولئك ارتكبوا 10 ملايين قضية بلطجة نُظرت أمام القضاء.. وكان النظام حريصًا على بقاء الظاهرة، بل استفحالها؛ لأن وجود بلطجى جديد ضمن قائمة المجرمين يعنى انضمامه فورًا إلى الجيش السرى للبلطجية الذى تديره مباحث أمن الدولة، وقيل: هناك جيش مواز تابع للمخابرات العامة.

ثروة مبارك وأبنائه

 انتهت البلاغات المقدمة فى حق مبارك بعد الثورة، إلى أن إجمالى ثروته بلغ (70) مليار دولار بالبنوك السويسرية والبريطانية والأمريكية، وأن تلك الثروة قد تراكمت من استفادته من المشروعات العسكرية والخدمات الحكومية خلال مدة 30 عامًا فترة حكمه، وكذا من خلال مشاريع مشتركة بين مستثمرين أجانب وشركاته.

وحسب تقرير هيئة الأمن القومى المقدم إلى النائب العام فى القضية رقم (1) لسنة 2011 فإنه قام بتهريب معظم أمواله عن طريق مجموعة (إيكوتريد) المصرفية السويسرية؛ وأنه فوّض فى ذلك المدعو (بيتر إسكوبرتيد)، قائد القوات الجوية السابق بسلاح الجو الملكى البريطانى، وأكد التقرير أنه يمتلك ثروة عقارية بمصر تقدر بنحو (53) مليار جنيه تم جمعها نظير استغلال نفوذه هو وأسرته.(3)

قضية فساد كل دقيقتين

ولأن مبارك كان فاسدًا، فقد أفسد كل من حوله، حتى تشعَّب الفساد وصار ثقافة، بل صار (مؤسسة تحمى نفسها بنفسها).. وعلى الرغم من ذلك فإن ما تم كشفه من قضايا فساد فى هذا العهد فاق جميع التوقعات؛ إذ كشف المستشار سيد البدرى، رئيس هيئة النيابة الإدارية، أن عدد قضايا الفساد الإدارى بلغ (70) ألف قضية عام 2005، وأن جزءًا كبيرًا من هذه القضايا يتضمن جرائم جنائية، وصرح المستشار تيمور مصطفى، رئيس هيئة النيابة الإدارية، بأن مصر شهدت (68) ألف قضية فساد إدارى خلال عام 2010، بينما كان عدد القضايا (70) ألف قضية خلال عام 2009.

وأكد تقرير صدر بعد عامين من الثورة، أن (مافيا) الأراضى استولت بمساعدة الحكومة المصرية قبل الثورة على أكثر من (16) مليون فدان، أى ما يعادل (67) ألف كيلو متر مربع، وهو ما يساوى مساحة خمس دول عربية مجتمعة، هى فلسطين ولبنان وقطر والبحرين والكويت، وأن قيمة هذه الأرض تقدر -حسب الجهاز المركزى للمحاسبات- بنحو 800 مليار جنيه.(4)

زرع الفقر والبؤس

التوغل فى  الاستبداد  السياسى، وتجفيف منابع الديمقراطية والإصلاح، دفع البلاد إلى حالة اقتصادية واجتماعية يُرثى لها، ومع استمرار مبارك فى الحكم ارتفعت نسبة الفقر بين المصريين حتى بلغت (55%)؛ ما جعل الاقتصاد المصرى تحت وصاية المؤسسات الدولية، مثل صندوق النقد الدولى الذى أغرقها بالديون. وكان تقرير الأمم المتحدة للتنمية البشرية لعام 2007 قد أشار إلى أن نحو 14 مليون مصرى يعيشون تحت خط الفقر، بينهم أربعة ملايين لا يجدون قوت يومهم؛ لتبقى مصر فى المركز الـ 111 بين مجموعة الدول الأكثر فقرًا فى العالم.

تخريب التعليم

 تعدُّ الحالة السياسية التى عاشتها مصر إبان فترة المخلوع؛ من بطش وفساد وتوريث أحد أهم الأسباب التى أدت إلى التدهور الخطير الذى أصاب جميع مناحى الحياة وأهمها التعليم.. لقد سيطر ضباط أمن الدولة ليس فقط على الطلاب بل على ترقيات وتعيينات ونقل الأساتذة، وهو ما أدى إلى تسميم المناخ التعليمى بالبلاد.. ليس غريبًا إذًا أن يضع تقرير اليونسكو الصادر فى 31 من مايو 2009 مصر فى المرتبة الأولى عربيًّا من حيث هجرة العقول المميزة.

وفى تقرير التنمية البشرية لعام 2005 الصادر من الأمم المتحدة، ذكر أن مصر ضمن البلدان التسعة التى يوجد فيها أعلى معدلات الأمية؛ حيث احتلت المرتبة 119، كما احتلت الأمية لدى المرأة المصرية المرتبة 75 من بين 87 دولة شملها التقرير. وفى تقرير صادر فى عام 2006 من جامعة شنغهاى عن تصنيف أول 500 جامعة فى العالم، يتبين منه خلو أى جامعة مصرية -أو حتى عربية - من تلك القائمة. (5)

وما من بيت مصرى إلا ويعانى الآن بسبب ما جرى على يد هذا النظام ولم يسع الانقلابيون إلى إصلاحه؛ فالدروس الخصوصية صارت تستنزف نصف دخول المواطنين، وصار ذهاب الطلاب إلى المدارس شيئًا من الماضى بعدما صارت هذه الدروس مدارس موازية يقوم بالتدريس فيها مدرسو الحكومة الذين بلغ بهم الفساد أنهم يتقاضون رواتبهم (الميرى) دون الذهاب إلى العمل.

وترتب على هذا الخلل فى العملية التعليمية: غياب التربية وضياع الأخلاق، فأصبحت المدارس قلاعًا للبلطجة وتعاطى المخدرات والمعاكسات والمشاجرات، بل السرقة بالإكراه من جانب هؤلاء المراهقين الذين فقدوا القدوة وغابت عنهم وسيلة رئيسة من وسائل التربية.

وأمام طمع عصابات رجال الأعمال، فتح المخلوع لهم باب العبث فى مجال التعليم، فأُنشئت الجامعات الخاصة التى أصبحت وبالًا على العملية التعليمية والبحث العلمى، خصوصًا أنها أُنشئت وليس معها الوسائل التى تراقبها، بل تُرك لها الحبل على الغارب.

مـأسـاة "الـخـصـخـصـة"

 يعد برنامج الخصخصة، أى بيع شركات القطاع العام وتسريح عمالها، الذى بدأه نظام مبارك عام 1991، أوضح قضايا الفساد وإهدار المال العام التى ارتكبها هذا النظام، الذى رأى فى وقت ما، بعد عجزه عن الوفاء بما عليه، أن يرفع الدعم عن الفقراء، وأن تتخلى الدولة عن الشركات المملوكة لها بخصخصتها.

تولى كمال الجنزورى هذه المهمة، فتم فى عهده بيع 115 شركة من شركات القطاع العام فى أقل من أربع سنوات، وقام عاطف عبيد ببيع  58  شركة تمثل 15% من إجمالى البرنامج خلال فترة تقارب الخمس سنوات، ثم قام أحمد  نظيف بخصخصة 172 شركة تمثل 45% من البرنامج خلال مدة قاربت الست سنوات.(6)

ولا أحد يعلم حتى الآن حجم الأموال التى حصلت عليها الدولة من بيع مشروعات القطاع العام، فقد تبخرت هذه الأموال التى كان تقييمها أول الجرائم فى مأساة الخصخصة، وكان تقسيط الثمن على عدة سنوات والسماح للمشترين بالاقتراض من البنوك المصرية بضمان المشروع هو الجريمة الأكبر.

إفساد القضاء

اكتشف المصريون عقب الثورة أن مؤسسة القضاء التى كانوا ينظرون إليها نظرة تبجيل وإعزاز أنها (مؤسسة فاسدة بامتياز)، فاق فسادها خيال المتخيلين، فهناك رشى بصورها المالية والعينية وحتى الجنسية، وهناك مال عام يُهدر على يد القضاة يقدر بالملايين فى عملية نهب مقنّع فيما يعرف بـ(الانتداب)، وهناك توريث (مقنن) للمناصب القضائيـة، بل إن من يتولون أعلى درجات السلطة القضائية متهمون بالفساد والرشوة والاستيلاء على المال العام.

ولقد أقام نظام المخلوع علاقة تزاوج بين القضاء والشرطة، ومن أبرز صور هذه العلاقة، تعيين ضباط الشرطة بالقضاء مقابل تمرير دخول أبناء القضاة كلية الشرطة، فقد شهدت الجمعية العمومية لنادى القضاة (يوم 23/12/2010) مفاجأة كبيرة؛ إذ قال المستشار عبد الله فتحى وكيل النادى، فى إطار عرضه إنجازات المجلس: (إننا ساعدنا أبناء المستشارين على دخول كلية الشرطة)، مشيرًا إلى أن النادى أرسل مذكرة إلى وزير الداخلية بأسماء أبناء المستشارين والذى قبل 90% منهم.(7)

ترأس حزبًا فاسدًا

فى يوم السبت (16 من أبريل 2011) قررت المحكمة الإدارية العليا حل الحزب الوطنى وتصفية جميع ممتلكاته وأمواله، وأيلولتها للدولة. وكانت هيئة المفوضين قد أكدت فى تقريرها أن الحزب خرج على المبادئ والقيم التى كان قد اتخذها ركيزة لتأسيسه، وهو ما ترتب عليه حدوث خلل اجتماعى، وفساد سياسى، وإهدار للحقوق والحريات التي يكفلها الدستور المصرى، والتى دفعت شعب مصر إلى القيام بثورة 25 يناير.

تمثل فساد أعضاء هذا الحزب فى: التهرب من الجمارك والضرائب، الاستيلاء على أموال البنوك وتهريبها إلى الخارج، الاستيلاء على أراضى الدولة بأسعار رمزية، الحصول على التصاريح والموافقات الإدارية من أجهزة الدولة المختلفة نظير مقابل مادى، استخدام المنصب فى الحزب لتحقيق مصالح خاصة، ولقد تورط نواب وقادة هذا الحزب فى العديد من الفضائح وقضايا الفساد التى شغلت الرأى العام كثيرًا، فسمعنا عن نائب النقوط، ونائب الكيف، ونائب سميحة، ونائب أكياس الدم الفاسد، حتى صار قادة الحزب ونوابه مرادفًا لمعانى المحسوبية والفساد، وذكر (تقرير الأداء البرلمانى) فى عام 2005، أن (32%) من نواب الحزب الحاكم متهمون فى قضايا فساد، وأن سجل نواب الوطنى ملىء بالمهازل التى كان أبرزها قضية نواب القروض التى أصدرت محكمة أمن الدولة حكمها على 31 متهمًا من بينهم أربعة نواب ممن ينتمون إلى الحزب الحاكم، بعقوبات تتراوح ما بين الأشغال الشاقة لمدة خمسة عشر عامًا إلى الحبس سنة، بعد أن استأثرت باهتمام الرأى العام لمدة خمس سنوات.(8)

إعلاميون ومثقفون كاذبون

استخدم مبارك ونظامه كتيبة من الإعلاميين الكاذبين، أخذوا على عاتقهم تشويه الخصوم، خصوصًا جماعة الإخوان المسلمين، وتزوير الحقائق، وتسميم الرأى العام، وتبرير ما يفعله المجرمون. كان جلُّ هؤلاء من العلمانيين المعادين للإسلام، وقلة قليلة من المرتزقة ممن لا حظَّ لهم فى المهنة، فكانت تلك فرصتهم للظهور واكتناز الأموال والسير فى ركاب الظالمين والصعود إلى المناصب ورئاسة المؤسسات.. والعجيب أن هؤلاء المدلسين ما تجرءوا يومًا على مهاجمة الفساد أو الأوضاع السيئة التى يعيشها المواطنون.

وكما وضع المخلوع الإعلاميين الكاذبين فى صدارة المشهد قادة للرأى العام ليدافعوا عن فساده وليزحزحوا الأمة عن آرائها -وضع (المثقفين!!) العلمانيين والملاحدة والمناهضين للهوية الإسلامية أوصياء على وزارة الثقافة، فلم يدخلها إسلامى واحد، ولم تنشر كتابًا واحدًا لمفكر إسلامى، بل كان كل ما تنشره إما معاديًا للفكر الإسلامى أو مشككًا فى ثوابت الدين وقيم الأمة.

أضـاع الدور الإقليمي لمصر

يُنظر إلى الدور الإقليمى لمصر من خلال ملفين رئيسين هما: ملف الصراع العربي الإسرائيلى، والملف الأفريقى: المائى والسياسى.. وكلا الملفين حدث فيهما تراجع كبير فى عهد المخلوع.. فمنذ تولى مبارك السلطة تم تحجيم أى دور عربى يخص تطورات الصراع مع الصهاينة، وكانت كلمة السر فى هذه القضية، هى العلاقة بين القاهرة وواشنطن التى اتسمت بالانبطاح الكامل للبيت الأبيض، وفى المقابل فإنه لم يعد للفلسطينيين -الذين كانوا يعوّلون دائمًا على الدور المصرى فى الحفاظ على حقوقهم- ظهر يحميهم من إجرام اليهود وظلم الأمريكان.

ومصر تدفع الآن ثمن تراجع دورها الإقليمى فى أفريقيا، بعد أن هدمت أو فككت كل الجسور التى بنيت سابقًا مع مختلف دول القارة، فتم تخفيض حصة مصر من مياه النيل، والإضرار بأمنها المائى، فى خطوة تعد تحديًا معلنًا للدولة المصرية.. وقد تزامن تراجع هذا الدور مع زحف إسرائيلى إلى القارة السمراء، كما زحف أيضًا رأس المال العالمى إلى القارة؛ فرصد البنك الدولى أكثر من (3) مليارات دولار لمجمل عملياته فى أفريقيا لعام واحد (2010)، بينما امتنعت عن ذلك المليارات العربية التى كان يمكن لمصر -لو كان لها دور القائد- أن توجهها إلى عمق القارة.(9)

تآمر على السودان

بعد نجاح الثورة المصرية فى 25 يناير 2011 وإزاحة مبارك عن الحكم، انتهى كثير من الفتور والجمود والمواقف السالبة التى كانت تعترى العلاقات المصرية السودانية، وقد صرح الرئيس السودانى عمر البشير بعد الثورة قائلًا: (بصريح العبارة، مصر فى عهد حسنى مبارك كانت جزءًا من التآمر على السودان، ولكنّ المصريين الآن لديهم قنـاعـة تامـة بأن السـودان يمثل أمنًا قـوميًّا لمصـر، ســواء كـان أمـنًا  غــذائــيًّا، أو مـائــيًّا، أو عسكريًّا، أو معلوماتيًّا أو غيره، وأعتقد أنها رؤية ممتازة ومهمة كانت غائبة عن النظام المصرى السابق).

كان مبارك أداة للمشروع الأمريكى بالسودان؛ لفصله بالكلية عن محيطه العربى والإسلامى وجعله أفريقيًّا فقط، وبدا واضحًا أنه يدعم، منذ بداية التسعينيات، حركة جارانج للتشجيع على انفصال الجنوب عن البلد الأم، لقد سيّر مبارك خطًّا للطيران المصرى (أمستردام/ القاهرة/ جوبا)، وصرح أكثر من مرة لصالح انفصال الجنوب، يعاونه فى ذلك القذافى الذى كان الداعم الأول للتمرد فى جنوب وغرب السودان، ذلك التمرد الذى كانت –ولا زالت- ترعاه الصهيونية العالمية؛ لهدف وحيد: تدمير مصر عن طريق الجنوب.

 فرّط فى القضية الفلسطينية

على الرغم من المنزلة الكبيرة لفلسطين في نفوس المصريين، باعتبارها الأرض المقدسة المباركة، حامية حدودنا الشرقية، فإن المخلوع قد أعماه حبه للصهاينة عن كل هذه الاعتبارات؛ وصار رأس حربة لليهود ضد إخوتنا فى أرض فلسطين؛ خصوصًا أهل غزة الذين أعلنوا الجهاد ضد العدوان الصهيونى، فكان نصيبهم على يديه مزيدًا من الحصار والقتل والتعذيب.

لقد أثبتت الحرب على غزة نهاية عام 2008 خيانته وغدره؛ إذ جرى معه الترتيب لتلك الحرب المباغتة التى أزهقت أرواح مئات الأشقاء وإصابة الآلاف منهم، بأسلحة فتاكة ومواد كيماوية وبيولوجية مسرطنة ومهلكة للأعصاب تستخدم لأول مرة فى الحروب.. لقد عقد لقاءً مع وزيرة  الخارجية الإسرائيلية وقتها (تسيبى ليفنى) حضره نظيرها المصرى أحمد أبو الغيط، وخرج المخلوع من اللقاء ليطمئن الجانب الفلسطينى عن نية  إسرائيل فى تجديد الهدنة.. لكن فوجئ الجميع بتنفيذ ضربة جوية إسرائيلية  شملت كامل القطاع.(10)

تعذيب وقتل أبطال غزة

ولما لم تنجح الحرب فى تفكيك حماس أو هزيمتها فى أرض المعركة شدد الحصار على غزة، وبدأ فى اعتقال  الفلسطينيين المسافرين للخارج أثناء عودتهم إلى القطاع، والتحقيق معهم وتعذيبهم بأبشع وسائل التعذيب بحجة انتمائهم إلى حماس، بل قتل زبانيته بعضهم، مستعينين فى التعرف على المتعاطفين مع المجاهدين بالمخابرات الإسرائيلية، وفى المقابل إمداد العدو بمعلومات عن المقاومة بعد التحقيق مع الجرحي ومواطنى القطاع المترددين على المستشفيات المصرية للعلاج.

فى 12 من أكتوبر 2009 استشهد الفلسطينى القسامى (يوسف أبو زهرى)، 38 عامًا، شقيق د. سامى أبو زهرى، المتحدث باسم حركة حماس، وذلك تحت التعذيب فى سجن برج العرب.

 وقد حمّلت كتائب القسام -وقتها- أجهزة الأمن المصرية المسئولية الكاملة عن حياة المعتقلين الفلسطينيين فى سجونها، وعلى رأسهم القائد القسامى أيمن نوفل المعتقل ظلمًا منذ منتصف يناير 2008. وأكد د. سامى أبو زهرى أن شقيقه أصيب بنزيف حاد نتيجة التعذيب الوحشى على أيدى الضباط المصريين الذين منعوا نقله إلى المستشفي إلا بعد أن وصلت حالته إلى مرحلة حرجة.

 وكانت قوات الأمن قد ألقت القبض على الشهيد فى نهاية أبريل 2009 وهو يعبر الأراضى المصرية، وأخضعته لتحقيق قاسٍ دون توجيه أى تهمة.

وبعدُ.. فإذا كان المصريون قد ابتُلوا بمن هو أسوأ من مبارك وأضل سبيلًا؛ فإن ذلك لن ينسيهم جرائم المخلوع؛ إذ هو حلقة سوداء فى سلسلة العسكر المعادية للإنسانية، وإن نسى البعض ما فعل، أو استصغر جرائمه قياسًا بجرائم الانقلابيين؛ فإن التاريخ شاهد على فساده واستبداده وخيانته، وهى جرائم كما لا تسقط بالتقادم فى قوانين البشر؛ فإنها حسابها فى الآخرة أشد وأنكى.

_________

مصادر:

(1) شــهــادات حــيــة تـفـضـح الـتـعـذيــب داخـل ســجــون مــصــر، شبكة فلسطين للحوار، 6 مارس 2011م، https://paldf.net/f/node/576294

(2) ثورة 25 يناير، ويكيبيديا، تعديل 22 مارس 2024، https://2h.ae/mtdS

(3) المخابرات : مبارك يملك 70 مليار دولار من تجارة الأسلحة ولجمال 71 مليار في سويسرا، مصراوي، 28 يوليو 2012، https://2h.ae/ziRq

(4) عملية تجريف 700 ألف فدان من الأراضي الزراعية جرت في آخر 20 سنة من عهد الرئيس الراحل حسني مبارك، صحيح مصر (فيسبوك)،  10 فبراير 2022م، https://2h.ae/Fxcy

(5) Shanghai Jiao Tong Ranking، universityrankings.ch، https://2h.ae/zKMl

(6) مركز حقوقي يكشف مسئولية الجنزوري عن بيع وتصفية 115 شركة من القطاع العام، الشروق، 7 ديسمبر 2011، https://2h.ae/waNu

(7) ملف كامل عن فساد قضاء مصر، مدونة سيد أمين، 17 فبراير 2013، https://2h.ae/oebF

(8) 32% من نواب الحزب الحاكم بمصر متهمون في قضايا فساد!، إخوان ويكي، تحديث  29 مايو 2012، https://2h.ae/mZAH

(9) الآفاق الاقتصادية 2010 لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، مجموعة البنك الدولي، 22 يناير 2010، https://2h.ae/hYNU

(10) ليفني تلتقي مبارك وتهدد بتغيير الوضع بغزة، الجزيرة نت، 25 ديسمبر 2012، https://2h.ae/UDul