"لا صوت يعلو فوق صوت المعركة"| كيف تحولت حرب غزة إلى فرصة للنظام المصري؟

الخميس - 23 نوفمبر 2023

إنسان للدراسات الإعلامية – وحدة الرصد:

منذ بداية معركة "طوفان الأقصى" في السابع من أكتوبر، بادر قائد الانقلاب في مصر، عبدالفتاح السيسي، بإظهار الدعم للشعب الفلسطيني بعبارات رافضة للمجازر بحق المدنيين وبرفض التهجير.

وتحدث بكل كلمات الشجب المتناسبة مع الجو العالمي المناهض للاحتلال، لكنه لم يستطع في خطاباته إخفاء رغبته الحقيقية في إبادة المقاومة، ثم عاد للتأكيد على حمايته للأمن القومي المصري وطلب تفويض لقيامه بما يلزم عندما يتطلب الأمر.

لكن على أية حال باتت هذه الحرب، التي من المفترض أن تساند فيها مصر شعب فلسطين بغزة، بمثابة منحة للسيسي ونظامه، من منظور العمالة والخيانة ومساندة الاحتلال، فبدلاً من أن يفتح السيسي معبر رفح، الذي يعد المتنفس الوحيد لأهل غزة، ويطرد سفير الاحتلال ويقدم الدعم الحقيقي المنوط به، أصبح يستغل الحرب لمصالحه متجاهلاً نداءات الاستغاثة المحلية والدولية المتواصلة، بخلاف ما كشفته وسائل إعلام صهيونية وأمريكية من أن مدير مخابرات مصر، عباس كامل، أبلغ الحكومة الصهيونية باعتزام المقاومة القيام بعملية ضد الكيان قبل بدء طوفان الأقصى بأيام.

فرصة على طبق من ذهب

على المستوى الدولي، جاءت الحرب فرصة على طبق من ذهب لنظام السيسي، الذي كشفته سياساته الفاشلة المتتالية، ليعود تلميع مصر والسيسي في مجالات المفاوضات والوساطات بين الاحتلال وحركة المقاومة حماس، كمنفذ فقط وليس كمشارك في صنع الحدث، فقد قادت دولة قطر جهودا أفضت إلى اتفاق الهدنة بين المقاومة الفلسطينية والكيان الصهيوني، ومن ثم أقصت دور المبادرات المصرية وخطفت الأضواء منها، وهو ما لا يرغب فيه نظام السيسي الذي يعتبر نفسه الوصي على القضية الفلسطينية أمام الغرب.

الإعلام المصري الموجه، حاول من جانبه  إبراز دور للنظام المصري في اتقاق الهدنة وعملية تبادل للأسرى؛ في محاولة للإبقاء على سمعة مصر كطرف وسيط في المفاوضات، ومن ذلك ما نشره موقع "الدستور" عن محاولات مصر: (مصدر لـ"القاهرة الإخبارية": مصر تكثف جهودها لتبادل الأسرى لدى طرفى النزاع بغزة).

كما زعم موقع "اليوم السابع" أن التوصل لهدنة إنسانية، الأربعاء 22 نوفمبر هو بسبب جهود السيسي المستمرة: (حزب إرادة جيل: جهود الدولة المصرية وراء إعلان هدنة فى قطاع غزة).

ونشر موقع "الشروق" أن الاعلام الدولي يتابع باهتمام شديد دور مصر إزاء التطورات الجارية في قطاع غزة منذ تفجر الأوضاع في بداية شهر أكتوبر الماضي، وجهودها على الصعيد الإنساني من خلال توفير الدعم للأشقاء الفلسطينيين: (رئيس هيئة الاستعلامات: اهتمام إعلامي عالمي بجهود مصر السياسية والإنسانية بشأن غزة).

أما على صعيد الداخل المصري، فحاول السيسي إعادة تدوير نفسه كمناضل وزعيم شعبي يساند القضية الفلسطينية، ويحافظ على الأمن القومي المصري، فدعا الشعب لتفويضه ليقوم بما يلزم، وأقام مؤتمر سلام لم يخرج ببيان ختامي، وجعل من معبر رفح منطقة صور تذكارية بدلاً من منطقة إنقاذ للمكلومين، وقام رئيس الوزراء مصطفى مدبولي بتنظيم مؤتمر صحفي عالمي أمام بوابة معبر رفح لشرح موقف مصر وجهودها بشأن توفير وتمرير المساعدات ومواد الإغاثة ونقل الجرحى وخروج الأجانبـ دون أن يكون بمقدور مصر فعلا إنفاذ ما تعد به.

 وفي هذا السياق، نشر "اليوم السابع" ما وصفه بالتفاف شعبي خلف السيسي للتصدي لتهجير الفلسطينيين والحفاظ على الأمن القومي المصري: (التفاف شعبى ورسمى وبرلمانى خلف القيادة السياسية للتصدى لمخطط تهجير الفلسطينيين).

لكن من زاوية نقدية، نشر موقع "عربي 21": (كيف حوّل السيسي معبر رفح لمكان لالتقاط الصور التذكارية وتسجيل مواقف الدعم الكاذب؟)، موضحا أن "مصر تعتبر معبر رفح ورقة ضغط على حركة حماس، وكانت في السنوات الماضية تفتح المعبر للحالات الإنسانية أما اليوم فيتحجج النظام المصري بالاحتلال وعدوانه لإغلاق المعبر ومنع دخول المساعدات ظاناً أنه يرفع بذلك الحرج عن نفسه في إغلاق المعبر".

التغطية على مسرحية الانتخابات

ما من شك في أن أخبار "طوفان الأقصى" أدت إلى تراجع في أخبار انتخابات الرئاسة المصرية التي باتت على الأبواب (تجرى في الخارج أيام 1و2و3 ديسمبر)، وهذا في حد ذاته هدية لنظام السيسي المستبد، الذي كان سيستحدث أي مصيبة داخلية في البلاد لإلهاء الشعب عن الانتخابات الرئاسية وقمعه المنافسين، ولكن الحرب في غزة أغنته عن ذلك، فانصرف الإعلام عن تغطية أخبار الانتخابات، ليس فقط بسبب انعكاس الأحداث الجارية في غزة والضفة عليها، بل أيضاً لضعف المنافسة التي جعلت المواطنين يعرفون نتيجة الانتخابات سلفا، وعدم استعداد الإعلام الموجه لتحسين صورة المسرحية الانتخابية.

هذا الواقع، انعكس مثلا على تغطية موقع "العرب" اللندني الممول إماراتيا، فتحدث عن هيمنة العدوان على قطاع غزة على جزء كبير من المحتوى الذي تقدمه وسائل إعلام مصرية، ما أسهم بالتبعية في تراجع المواد الإخبارية والحملات الإعلامية الخاصة بانتخابات الرئاسة المصرية قبل نحو أسبوعين من انطلاقها: (حرب غزة رفعت حرجا عن الإعلام المصري في تغطية الانتخابات).

ويالفعل، كانت حرب غزة منحة للإعلام المحلي بمصر، ليستبدل أخبار المرشح الرئاسي السابق أحمد طنطاوي، الذي أحيل إلى المحكمة الجنائية، بأخبار مثل مساعدة السيسي لطفل جريح من غزة، حيث نشر موقع "مصراوي" خبرا حول استجابة السيسي لعلاج طفل فلسطيني جريح: (السيسي يستجيب لعلاج طفل من قطاع غزة)، في حين نشر موقع "الخليج الجديد" تنديد منظمات حقوقية مصرية، بما أسمته "الممارسات الانتقامية المستمرة والمتصاعدة" بحق البرلماني السابق أحمد الطنطاوي، لافتا إلى أن إحالته وأعضاء حملته الانتخابية الرئاسية، دليل جديد على عدم شرعية الانتخابات الرئاسية المرتقبة الشهر المقبل: ( تنديد حقوقي بإحالة الطنطاوي للمحاكمة: مؤشر لعدم شرعية الانتخابات الرئاسية).

الهروب من الأزمات الاقتصادية

ومع تفاقم الأزمة الاقتصادية في مصر خلال الحرب، وانقطاع التيار الكهربائي في جميع محافظات مصر ساعتين كل يوم بدلا من ساعة واحدة، وتراجع قيمة الجنيه إلى نحو 60 جنيها مقابل الدولار الواحد،  بسبب استمرار السياسات الخاطئة، تشاغل الإعلام بتغطية أخبار الحرب، بدلاً من رصد تراجع الحالة الاقتصادية وتدهور وضع الشعب المصري، أو هكذا أراد السيسي للإعلام أن يكون، كما ذهب الإعلام إلى أخبار "إلهائية"، ومنها مانشره موقع "صدى البلد" تحت عنوان: (أخبار سارة.. الغاز المصري يغزو الأسواق الأوروبية مجددا).

وفي المقابل، نشر موقع "الجزيرة" تقريرا عن استيراد مصر الغاز من الاحتلال، تحت عنوان  ( ماذا تخسر مصر بربط ملف الغاز بإسرائيل؟).

وحول انهيار الجنيه المصري أمام الدولار، وتصاعد التضخم، و ارتفاع العجز الكلي خلال أول شهرين من العام المالي الحالي 2023-2024  إلى 3.2%  من الناتج المحلي الإجمالي، نشرت وكالة "الشرق بلوم برج" تقريرا بعنوان: (عودة الرهانات على خفض الجنيه المصري مع اقتراب الانتخابات).

كل ذلك لا يعطيه الإعلام المحلي أهمية في نشرات الأخبار، بل يفرد التغطيات والتحليلات والأخبار عن حرب غزة وعدوان الاحتلال ومساندة السيسي للقضية الفلسطينية، مداريا بها فشل النظام المصري وادارته المخربة للاقتصاد.

هذا الفشل كشف جانبا من تطوراته موقع إذاعة "مونت كارلو الدولية"، تحت عنوان: القاهرة تتوجه للاستدانة من الأسواق المالية الشرقية باليوان وبالين)، موضحة أن مصر بحاجة إلى أربع مليارات دولار لتغطية العجز في تجارتها الخارجية، وبعدما استنفذ النظام الحالي فرص الاستدانة من الأسواق الخليجية ويئس من الصندوق الدولي، يتوجه قائده السيسي للاستدانة من الأسواق المالية الشرقية باليوان وبالين.

وقال الموقع: "النظام المصري حاليا كمن (يمشي على البيض) ... أي أنه في وضع دقيق للغاية، خاصة من الناحية الاقتصادية، حيث تسقط أو تتراجع كل المؤشرات الاقتصادية تقريبا"

ونشر موقع "الشرق بلومبيرج" عن جهود الاتحاد الأوروبي في مساعدة مصر على التعامل مع التداعيات المتفاقمة في الصراع بين "إسرائيل" وحماس على حدودها: (الاتحاد الأوروبي يقترح دعم مصر بـ10 مليارات دولار وسط أزمة إسرائيل وحماس)، حيث اقترح الاتحاد الأوروبي دعم مصر بمليارات الدولارات ولا أحد يعرف ما المقابل؟ لكن من المرجح أن تلك الدولارات مقابل أن يساهم السيسي في الحل الذي تريد الدول الغربية فرضه على غزة، وهو تهجير سكان غزة، وتلك الاستثمارات مرهونة بتنفيذ الطلبات الأوروبية.

ونشرت إذاعة "مونت كارلو الدولية" عن ذلك الأمر قائلة  إن المؤسسات المالية الدولية (أي صندوق النقد الدولي والبنك الدولي) لديها وسائل السيطرة السياسية للدول الغربية على بعض الدول المطلوب منها أن تنفذ بعض الأمور أو القرارات أو العقود الاقتصادية، وتساءلت عبر تقرير لها: (لماذا قررت الدول الأوروبية … فجأة … منح مصر قروض ومساعدات تعادل أضعاف قرض صندوق النقد المجمد؟).

كما نشر موقع "العرب" تحت عنوان: (حرب غزة تنقذ الاقتصاد المصري في مرحلة حرجة).