مصر فقدت حرية الإعلام بعد الانقلاب .. والشعب لم يدرك الكارثة!

الأربعاء - 24 يناير 2024

- أ. د. سليمان صالح
( أستاذ الإعلام بجامعة القاهرة )

أ.د . سليمان صالح

كان من أهم ثمار ثورة 25 يناير أن شعب مصر تمتع بحرية الإعلام ؛ فانفتح المجال العام ليُعّبر المصريون عن آفكارهم، فتزايدت فرص البحث عن حلول جديدة للمشكلات .. وحرصت لجنة الثقافة والإعلام  بمجلس الشعب على إدارة مناقشة حرة شارك فيها الإعلاميون من كل الاتجاهات لإصدار قانون يحمي حرية الإعلام، ويضمن لشعب مصر حقه في المعرفة .. لكن جاء قرار المحكمة الدستورية بحل مجلس الشعب ليشكل ضربة للحرية .

حرية الإعلام كانت من أهم ثمار ثورة 25 يناير.. وسيطرة الانقلاب أدت إلى نشر الكراهية

فترة حكم الرئيس محمد مرسي كانت أفضل فترة تمتع فيها الإعلاميون المصريون  بحريتهم

ومع ذلك واصل الأحرار كفاحهم، فكانت فترة حكم الرئيس محمد مرسي هي أفضل فترة تمتع فيها الإعلاميون المصريون بحريتهم، وقاموا بوظيفتهم في الوفاء بحق جمهورهم في المعرفة، وحرص الرئيس على حماية حرية الإعلام؛ بالرغم من استغلال بعض الدول لهذه الحرية، وإنشاء صحف وقنوات تليفزيونية تهاجم الرئيس بقسوة، وتنشر الأكاذيب عنه، وتقوم بتضليل الشعب، وهذا يعبر عن إدراك الرئيس لأهمية حرية الإعلام، وأن شعب مصر لا يمكن أن يتمتع بحقوقه وحرياته دون حماية حقه في المعرفة .

لكن فقد الشعب كل الحقوق؟

كان من أخطر نتائج الانقلاب العسكري في 3 يوليو 2013 إلغاء القنوات والصحف الإسلامية؛ كمقدمة لسيطرة السلطة على كل وسائل الإعلام واستخدامها في تضليل الشعب، وحرمانه من حقه في الحصول على المعلومات .. وكانت تلك بداية الكارثة التي يتعرض لها شعب مصر، والتي تتضح معالمها الآن.

بعد الانقلاب لم يتمكن الإعلاميون في مصر من القيام بوظيفتهم الأساسية وهي الوفاء بحق جماهيرهم في المعرفة، وبدأت مصداقية وسائل الإعلام تتناقص بعد أن تحولت إلى وسيلة للدعاية للسلطة، ولذلك تناقص توزيع الصحف، ومعدلات مشاهدة القنوات التليفزيونية.

حرص "مرسي" على حماية حرية الإعلام رغم استغلال بعض الدول لها للهجوم عليه بقسوة

كان يدرك أن شعب مصر لا يمكن أن يتمتع بحقوقه وحرياته دون حماية حقه في المعرفة

بعد أن فقد الشعب المصري حرية الإعلام، كان من الطبيعي أن يتم التعتيم على انتهاكات حقوق الإنسان، فتوسعت الأجهزة الأمنية في استخدام قوتها الغاشمة في قهر الشعب، واستخدام استراتيجية التخويف لإخضاع الشعب، ومنعه من التعبير عن الآراء والأفكار.

كما تم السيطرة على الجامعات، ففقدت مصر الحرية الأكاديمية، ولم يعد الباحثون يستطيعون إنتاج دراسات تسهم في تحقيق التقدم، أوتقدم حلولاً للمشكلات، وانتشر الفساد في الجامعات التي فقدت استقلالها، وأصبحت تديرها أجهزة الأمن .

انتشار الكراهية وتفكك المجتمع

كان من نتائج سيطرة سلطة الانقلاب على الإعلام انتشار الكراهية في المجتمع المصري؛ حيث استخدمت السلطة هذه الوسائل؛ للهجوم بشكل مستمر على التيار الإسلامي؛ الذي يشكل أكثر من 50 % من الشعب المصري، كما أوضحت ذلك كل الانتخابات الحرة، وتم ترديد الكثير من الاتهامات الزائفة التي أدت إلى تفكك المجتمع .

وبذلك فقد الإعلاميون المصريون وظيفتهم في تحقيق تماسك المجتمع وتوحيده حول مبادئ وقيم مشتركة، وهي وظيفة أساسية لوسائل الإعلام في دول العالم، وتعتبر إثارة الكراهية والتفرقة العنصرية جريمة تعاقب عليها القوانين، بالإضافة إلى أنها تشكل انتهاكا للمواثيق الأخلاقية .

الإعلاميون المصريون فقدوا وظيفتهم في تحقيق تماسك المجتمع وتوحيده حول قيم مشتركة

وسائل الإعلام لم تعد تستطيع التعبير عن آلام الفقراء الذين تتزايد نسبتهم وأصبحوا أغلبية

كان تفكك المجتمع المصري، وانتشار الكراهية، وغطرسة المنتمين للسلطة، واحتكارهم لوصف الوطنية؛ الذي أصبح يقتصر على تأييد السلطة، والدفاع عنها من أخطر نتائج السيطرة على وسائل الإعلام، وسوف يكون لها تأثيرها على مستقبل مصر؛ فهناك حالة ظلم عام يتعرض لها الكثير من المصريين الذين يتم اتهامهم بعدم الوطنية والإرهاب بسبب التزامهم بالإسلام، حتى لو اقتصر هذا الالتزام على أداء العبادات .

انتشار الفساد في غياب الحرية

وعندما غابت حرية الإعلام انتشر الفساد في المجتمع، وفقد الإعلاميون الشجاعة للقيام بوظيفتهم في حراسة مصالح المجتمع وحمايته من الانحرافات والفساد ؛ فكانت الأزمة الاقتصادية نتيجة طبيعية لعمليات النهب والاسراف والتبذير ، وإنفاق الأموال على مشروعات غير إنتاجية، وتدمير قدرات الشعب المصري على الحياة بعد أن فقد الجنيه قدرته الشرائية، وتزايد الغلاء الذي أدى إلى تزايد الفقر والبؤس والإحباط والاكتئاب .

التجربة  التي عاشتها مصر منذ الانقلاب العسكري توضح أن حرية الإعلام أساس الديموقراطية

لم تعد وسائل الإعلام تستطيع أن تعبر عن آلام الفقراء؛ الذين تتزايد نسبتهم حتى أصبحوا يشكلون الأغلبية، وارتبط الفقر بالقهر والخوف من السلطة؛ حيث يدرك الإنسان المصري ما يمكن أن يتعرض له إذا حاول التعبير عن رأيه حتى على وسائل التواصل الاجتماعي .

وهكذا اجتمع على شعب مصر الفقر والقهر والخوف والظلم في غياب حرية الإعلام .. أما الديموقراطية التي يعتبر الإعلاميون أنفسهم وكلاء لها، فلا يستطيع أحد في مصر أن يذكرها ، ولم تجرؤ وسيلة إعلامية على كشف الحقائق عن تزوير الانتخابات .. وعندما فقد الإعلاميون دورهم التاريخي ووظائفهم، فقد البرلمان أهميته وقيمته، فلم يعد هناك نائب يستطيع أن يتحث عن مشاكل الشعب أو يعبر عن آلامه لأنه لا برلمان بدون صحافة .

في غياب الحرية يتم انتهاك حقوق الإنسان وحرياته و تدمير وحدة المجتمع وإفقار الشعب

هل يستطيع الإعلاميون قيادة كفاح الشعب وتوحيده على منظومة ثوابت تتقدمها حرية الإعلام؟

أدركت الحركة الوطنية المصرية  ذلك منذ عام 1900 ، فربط مصطفى كامل بوعي بين حق مصر في الدستور والمجلس النيابي وحرية الصحافة .. والتجربة  التي عاشتها مصر منذ الانقلاب العسكري توضح أن حرية الإعلام أساس الديموقراطية، وفي غياب تلك الحرية يتم انتهاك كل حقوق الإنسان وحرياته، ويتم تدمير وحدة المجتمع، وإفقار الشعب وانهيار الاقتصاد .

يجب أن نقود كفاح شعبنا

لكي نبني مستقبل الإعلام في وطننا يجب أن ننتفض، ونقود شعبنا في مرحلة كفاح جديدة ضد الاستبداد .. فعندما نقوم بهذا الدور التاريخي يمكن أن ننقذ وطننا الذي يتعرض الآن للانهيار، ولذلك يجب أن يدرك الجميع أن إنقاذ مصر يبدأ بأن ننتزع حقنا في توفير المعرفة لشعبنا، وكشف الحقائق، وإدارة مناقشة حرة حول كل قضايا المجتمع، وحرية الإعلام هي مستقبلنا ووسيلتنا لإنقاذ مصر  فهل يستطيع الإعلاميون أن يتقدموا لقيادة كفاح الشعب وتوحيده عن طريق الاتفاق على منظومة من الثوابت من أهمها حرية الإعلام، فبدونها لا تتحقق الديموقراطية .

الشعب ينتظر دورنا كإعلاميين، وعندما يدرك شعبنا أننا نمتلك الشجاعة للتعبير عن آماله وآلامه سيعود لقراءة صحفنا، ومشاهدة قنواتنا، ويحترم وظيفتنا ودورنا الحضاري .