هل دمرت "إسرائيل" حرية الصحافة الأمريكية؟!

السبت - 16 ديسمبر 2023

- أ. د. سليمان صالح
( أستاذ الإعلام بجامعة القاهرة )

من الواضح أن الشعب الأمريكي فقد حريته، وهذه أكبر خسارة يتعرض لها ، وسوف يكون لذلك تأثيرا كبيرا على مستقبل أمريكا

أ. د . سليمان صالح

العدوان الإسرائيلي على غزة كشف تحيز وسائل الإعلام الأمريكية، وحرمانها للجماهير الغربية من  حقها في الحصول على المعرفة، وقيامها بتضليل الشعب الأمريكي.

لكن لماذا تخلت هذه الوسائل عن حريتها وأخلاقياتها المهنية، وقامت بنشر الأكاذيب؛ لتبرير الجرائم ضد الإنسانية التي يرتكبها  جيش الاحتلال الإسرائيلي ضد الفلسطينيين، وقيامه بإبادة الأطفال والنساء، وتدمير المستشفيات والمدارس، والتخطيط لتهجير الفلسطينيين قسرياً .

هناك الكثير من المعلومات التي يمكن أن تسهم في تفسير التحيز الأمريكي لإسرائيل؛ لكنني سأركز هنا على حالة هيلين توماس ( 1920-2013 ) التي وصفها كلينتون بأنها السيدة الأولى في البيت الأبيض، ووصفها أوباما بأنها عميدة الصحفيين الأمريكيين. من يجرؤ على التعبير؟

بعد عشرات السنين التي عملت فيها هيلين توماس، كمراسلة في البيت الأبيض وتغطيتها لأنشطة 11 رئيساً أمريكياً، امتلكت الشجاعة لتختم حياتها بتوضيح بعض الحقائق لجمهورها، ومن أهمها : إن حرية التعبير في أمريكا متوفرة، ولكن فيما لا يتناول إسرائيل أو اليهود .

وهذا يفسر خوف الصحفيين الأمريكيين من نشر الكثير من الحقائق التي يعرفونها، فهم لا يجرؤون على التعبير عن موقف مستقل حتى لا يتعرضون لمصير هيلين التي أعلنت أن الصحف الأمريكية لم تعد سلطة رابعة، ولم تعد قادرة على القيام بدور كلب حراسة الديموقراطية الأمريكية؛ حيث أصبحت وسائل الإعلام كلاباً أليفة .

ونحن نضيف إلى ذلك أن هذه الوسائل تستطيع أن تعض العرب والمسلمين فقط؛ فتنشر الإسلاموفوبيا ، وتبرر قتل الفلسطينيين .

مؤامرة ولكن علنية!

تقول هيلين توماس: إن هناك مؤامرة لاخضاع الولايات المتحدة لإسرائيل، لكنها ليست سرية، بل إنها معروفة وواضحة للغاية، وكل من في البيت الأبيض والكونجرس في جيب جماعات الضغط الإسرائيلية التي يقوم بتمويلها أنصار أغنياء يسيطرون بشكل كامل على مدينة السينما في هوليود، وعلى أسواق المال في وول ستريت .

وتستهدف هذه المؤامرة – طبقاً لتعبير هيلين توماس – تخويف الأمريكيين، وخلق الاعتقاد لديهم بأن كل يهودي ضحية الاضطهاد إلى الأبد؛ رغم أن اليهود يمارسون الاضطهاد ضد الفلسطينيين .

عليهم أن يعودوا إلى بلادهم!

في 8 يونيو/حزيران 2010 امتلكت هيلين توماس الشجاعة وصحوة الضمير، فأعلنت أن الإسرائيليين محتلون، وأن عليهم أن يعودوا إلى ألمانيا وبولندا، فلهم حق الوجود فقط في البلاد التي هاجروا منها، وعليهم أن يخرجوا من فلسطين.

وأضافت: إن ما يحدث في فلسطين غير عادل، وعلى الأمريكيين أن يفهموا أسباب غضب الفلسطينيين، فهم محاصرون ويعيشون في سجن مفتوح .. وعلى الإسرائيليين أن يخرجوا من منازل الفلسطينيين التي اغتصبوها؛ فليس من المقبول أن يطرق جنود الباب في الثالثة صباحاً، ويقولون هذا منزلي، ويخرجون الفلسطينيين من بيوتهم التي عاشوا فيها مئات السنين .

الاتهام بمعاداة السامية!

بعد تلك التصريحات تعرضت هيلين توماس لحملة شديدة؛ بدأها المتحدث باسم البيت الأبيض الذي وصفها بأنها شنيعة وتثير الكراهية، في الوقت الذي اتهمتها فيه وسائل الإعلام الأمريكية بمعاداة السامية .

ردت هيلين بأنها سامية، فتم الرد عليها بأنها ليست يهودية، وهذا يوضح أن وسائل الإعلام الأمريكية ربطت بين اليهودية والسامية، وهذا يتناقض مع العلم والتاريخ.

وقالت هيلين: إنها تعرف ما يمكن أن تتعرض له، وأنه سيتم كسرها، وأنها وصلت بهذه التصريحات إلى نقطة اللاعودة.

وبالفعل تم إرغام هيلين على الاستقالة من شركة هيرست التي كانت تكتب في صحفها عمودا يوميا، ومن موقعها في البيت الأبيض، ومن رئاسة نادي الصحافة الأمريكي، وتم محاصرتها وعدم نشر إنتاجها الصحفي؛ كما يحدث في الدول الديكتاتورية

لماذا تخلى الصحفيون عن الحرية؟

لكن لماذا لم يدافع الصحفيون الأمريكيون عن حرية الصحافة والرأي والتعبير؟ دراسة تاريخ الصحافة الأمريكية يوضح أن الصحفيين كانوا يثورون دفاعاً عن صحفي في جريدة محلية؛ تم الحكم عليه بالسجن لمدة ستة أشهر بسبب رفضه الكشف عن مصدره .. فلماذا تخلوا عن عميدتهم، ولم يدافعوا عن حريتها وحقها في التعبير عن رأيها، ولم يتضامنوا معها بالرغم من أن المواثيق الأخلاقية تنص على تضامن الصحفيين مع كل صحفي يتعرض للاضطهاد؟ .

يوضح ذلك أن إسرائيل تمكنت من تدمير  حرية الصحافة الأمريكية، فلم يجرؤ صحفي على التضامن مع هيلين توماس، ولا مع كل من ينتقد إسرائيل؛ فيتم اتهامه بمعاداة السامية التي أصبحت سوطاً يُرهب كل صاحب رأي .

وتدمير الحرية الأكاديمية

كما أن النفوذ الإسرائيلي أدى إلى تقييد الحرية الأكاديمية في الجامعات الأمريكية، حيث تم إلغاء جائزتين للصحافة باسم هيلين توماس تشترك فيهما عدد من الجامعات، ولم يجرؤ أساتذة  هذه الجامعات على الرفض أو الدفاع عن الحرية .. فالسيطرة الإسرائيلية لا تقتصر على البيت الأبيض والكونجرس و وول ستريت .

ومن الواضح أن الشعب الأمريكي فقد حريته، وهذه أكبر خسارة يتعرض لها ، وسوف يكون لذلك تأثيرا كبيرا على مستقبل أمريكا ؛عندما يكتشف شعبها أن العداء لأمريكا يتزايد في كل أنحاء العالم بسبب تأييدها لجرائم الإبادة التي يرتكبها جيش الاحتلال الإسرائيلي، وبسبب انتهاكها للتجارب الديموقراطية للشعوب العربية، وتأييدها للانقلابات لضمان أمن إسرائيل .

وعندما يتم حرمان الشعب الأمريكي من المعرفة، فإنه سيفقد كل قدراته على التقدم، وهذا سيؤدي إلى انهيار أمريكا.